السؤال
في إحدى المرات كنت في صلاة الجمعة، وتكلم الشيخ في الخطبة عن الورع، وأن الورع أن تترك أقساما من الحلال خشية أن تقع في الحرام.

وكان يحث الناس على ذلك، ولكن بطريقة فيها شيء من الإلحاح فشعرت في قلبي بشيء من السأم والنفور لإلحاحه في ذلك، وعندما أسمع بعض الشيوخ وهم يتكلمون في الأمور المندوبة وليست الواجبة، ولكن يتكلمون بطريقة فيها لوم وعتاب على من لا يلتزم بها أشعر بنفس الشعور من السأم والنفور.

والمشكلة: أني لا أعلم هل هذا النفور من إلحاح ذلك الشيخ أو مما يدعو إليه؟ فأخشى أن يكون ذلك النفور مما يدعو إليه فأكون بذلك قد كفرت؛ لأني كرهت ما أنزل الله.

أنا حديث العهد بالالتزام والطاعة، ووجدت صعوبة في البعد عن بعض المحرمات، والالتزام ببعض الواجبات، وعندما أسمع من أحد أنه ينبغي علي أن أترك أقساما من الحلال حتى لا أقع في الحرام؛ بالطبع سأشعر بشيء من السأم والنفور لا أستطيع دفعه، لا سيما وإن كان ذلك الشخص يقولها لي بطريقة يشعرني فيها باللوم أو أنني على نقص، فالمسألة كطفل ما زال يحبو فتأتي وتطلب منه وتلزمه بأن يجري.

أنا لا أطمح أن أكون تقيا أو ورعا! يكفيني فقط أن أكون مؤمنا لا أشرك بالله شيئا، أقيم الفروض وأبتعد عن الحرام؛ خاصة الكبائر، وأن أقوم بباقي الطاعات على قدر استطاعتي، وذلك الشعور أيضا يأتيني في بعض الأمور الواجبة، عندما أسمع شيخا يحثني عليها بإلحاح، وأجد أني لا أستطيع تطبيق ما يحثني عليه بدرجة كاملة أشعر بنفس الشعور.

فهل هذا الشعور من النفور من أسلوب الشيخ أم مما يدعو إليه؟ وهل هذا كراهية لما أنزل الله؟





الاجابة

لا شك -أيها الحبيب- أن بلوغ الإنسان لهذه الغاية من المقاصد العظيمة، هو ما يحاسبنا الله تعالى عليه ويطلبه منا، فإنه سبحانه سيسأل العباد عن الفرائض التي فرضها، والمحرمات التي أمر بتركها، وقد جاءت أحاديث كثيرة تفيد هذا المعنى، منها الحديث المشهور في الصحيح وخارج الصحيح في قصة الرجل الذي سأل المصطفى -صلى الله عليه وسلم- عن الإسلام فعلمه الصلوات الخمس، فقال: هل عليّ غيرها، قال: لا، إلا أن تطوع، وهكذا علمه فرائض الإسلام فقال الرجل: لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق).

فإذا أدى الإنسان ما عليه من الواجبات، واجتنب ما حرم الله عليه من المحرمات، فإنه يرجى له السلامة ويطمع له أن يكون من أهل الفوز والفلاح، لكن الله تعالى شرع لنا أصنافا من الطاعات من جنس الواجبات، فكل طاعة واجبة شرع الله تعالى من جنسها طاعة نافلة، فالصلاة منها الفرض ومنها النفل، والزكاة صدقة واجبة، وهناك صدقات مستحبة، وكذا الحج والعمرة والصيام، ولله تعالى في ذلك الحكمة البالغة، فإنه من رحمته تعالى بنا ولطفه أن شرع لنا هذه العبادات حتى نكمل ما قد يحصل من نقص في موازيننا إذا وزنت تلك الواجبات.

وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة صلاته، فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وإن انتقص من صلاته شيء قال الله لملائكته انظروا هل لعبدي من تطوع، فيكمل به ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك) فهذا الحديث فيه بيان أهمية النوافل، وأن الله تعالى يكمل بها الفرائض، ثم هذه النوافل تكون سببا لخيرات عديدة من أهمها: أنها تكون موصلة لحب الله تعالى، كما قال الله في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: (ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه) وهي كذلك سبب لرفعة الدرجات في الجنة، فإنه ما من عبد يسجد لله سجدة، إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، إلى غير ذلك من الفضائل التي رتبها الله عز وجل على هذه الأعمال الصالحة، فلا ينبغي للإنسان أن يحرم نفسه كل هذه الفضائل وإن كان لا يطالب بها على سبيل الحتم والإلزام، ولكن إذا بلغ الإنسان مكانة عالية في الفضل والكمال، فإنه يمكن أن يعاتب إذا تهاون في بعض السنن لكن ليس على سبيل التأثيم، فإن الله تعالى إنما أوجب ما أوجب ما يكون العبد مسئولا عنه.

أما الورع الواجب فهو ترك ما حرمه الله تعالى، أما التقلل من الحلال فإنه شيء زائد على ذلك، والناس يتفاوتون غاية التفاوت في ذلك، وغاية ما يطلب من الإنسان أن يجتنب ما حرمه الله تعالى عليه.

وبالجملة فإذا كانت نفسك تنفر من بعض الوعظ الذي فيه أمر لها بما يخالف هواها ورغبتها، فإن هذا ليس من كراهية ما أنزل الله تعالى، ولكنه حال النفس وطبيعتها وهي بحاجة إلى مجاهدة ومصابرة حتى تستقيم على أمر الله، وحتى تحب ما يقربها إلى الله، فإذا فعلت ذلك مستعينا بالله فإنك ستصل بإذن الله تعالى، كما قال جل شأنه {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}.