السؤال
هل يعتبر مشركا من ظن أن الأئمة الـ 12 يعلمون الغيب إن شاء الله؟.


الإجابــة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإن الغيب نوعان: غيب مطلق لا يعلمه إلا الله ـ كعلم وقت قيام الساعة ـ وغيب نسبي قد يطلع الله بعض عباده عليه عن طريق الرؤيا أو الإلهام أو التفرس، فإن كان المراد بالسؤال النوع الأول، فإن هذا النوع ثبت بالنصوص أنه لا يمكن لأحد علمه، وأن الله استأثر به وحكم ـ ولا معقب لحكمه ـ أنه لا يطلع على الغيب إلا رسله، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ {آل عمران: 179}.

وقال تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ {الجـن: 26ـ27}.

وقال الله تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلَّا اللهُ {النمل:65}.

وقال تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الغَيْبَ {الأنعام: 50}.

وقال تعالى: قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ {الأعراف:188}.

وروى الإمام مسلم عن عائشة قالت: ومن زعم أنه صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غد، فقد أعظم على الله الفرية، والله يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ. اهـ

وقال ابن حجر في الفتح : قوله: في خمس ـ أي علم وقت الساعة داخل في جملة خمس، وفي رواية عطاء الخرساني قال: فمتى الساعة؟ قال: هي في خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله، قال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمسة، لهذا الحديث، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ـ بهذه الخمس، وهو في الصحيح، قال: فمن ادعى علم شيء منها غير مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كاذبا في دعواه.... اهـ.

وقد نقل صاحب عود المعبود عن عدة من أهل العلم القول بتكفير من يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب مطلقا، وقد ذكرنا في بعض الفتاوى السابقة أن من اعتقد في شخص من الناس علم الغيب بنفسه، فقد خرج من ملة الإسلام، وكفر بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،

ولكن الشخص المعين لا بد في تكفيره من توفر الشروط وانتفاء الموانع،

وأما إن كان المراد بالسؤال هو الاطلاع على الغيب النسبي ـ وهو ما يعلمه بعض الناس دون بعض ـ فإنه لا مانع من إطلاع الله بعض الناس عليه عن طريق الإلهام أو الفراسة أو الرؤيا الصادقة، إلا أننا لا يمكن أن نجزم بأن شخصا ما أو جماعة ما سيطلعها الله عليه، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم ناس مُحدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد منهم فهو عمر.

والمحدثون الملهمون الذين يجري الله تعالى على ألسنتهم بعضاً من المغيبات، كأنما حدثوا بها، ولكنه لا بد أن يعرض ما ظنوا أنهم ألهموه على الشرع، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والأولياء وإن كان فيهم محدثون كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنه قد كان في الأمم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر ـ فهذا الحديث يدل على أن أول المحدثين في هذه الأمة عمر، وأبو بكر أفضل منه، إذ هو الصديق، فالمحدث وإن كان يلهم ويحدث من جهة الله تعالى فعليه أن يعرض ذلك على الكتاب والسنة، فإنه ليس بمعصوم، كما قال أبو الحسن الشاذلي: قد ضمنت لنا العصمة فيما جاء به الكتاب والسنة، ولم تضمن لنا العصمة في الكشوف والإلهام ـ ولهذا كان عمر بن الخطاب وقافا عند كتاب الله، وكان أبو بكر الصديق يبين له أشياء تخالف ما يقع له، كما بين له يوم الحديبية، ويوم موت النبي صلى الله عليه وسلم، ويوم قتال مانعي الزكاة وغير ذلك، وكان عمر يشاور الصحابة فتارة يرجع إليهم وتارة يرجعون إليه.. وكان يأخذ بعض السنة عمن هو دونه في قضايا متعددة، وكان يقول القول فيقال له: أصبت، فيقول: والله ما يدري عمر أصاب الحق أم أخطأه، فإذا كان هذا إمام المحدثين، فكل ذي قلب يحدثه قلبه عن ربه إلى يوم القيامة هو دون عمر، فليس فيهم معصوم، بل الخطأ يجوزعليهم كلهم وإن كان طائفة تدعي أن الولي محفوظ، وهو نظير ما يثبت للأنبياء من العصمة، والحكيم الترمذي قد أشار إلى هذا، فهذا باطل مخالف للسنة والإجماع، ولهذا اتفق المسلمون على أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى.

والله أعلم.