السؤال







إذا تقرر أن الله عز وجل لا يؤاخذنا باللغو في أيماننا، فهل هذا ينسحب على جميع ما يصدر منَا من ألفاظ لغو في سائر الكلام أي بمعنى أن العقود والمعاملات وغيرها لا يؤاخذنا الله بها إذا كانت لغواً؟ وكذلك ما يصدر منا من ألفاظ ونحن لا نريد حقيقتها كما في حالة المزاح والغضب ونحوها؟ وما هي ماهية اللغو بشكل عام؟.



الإجابــة







الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

فقد اختلف أهل العلم في تفسير اللغو، فذهب ابن عباس وعائشة وجمهور العلماء أيضاً: أنه قول الرجل لا والله وبلى والله في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين، ولا مريد لها.
قال المروزي: هذا معنى لغو اليمين الذي اتفق عليه عامة العلماء. انتهى.
وهذا لا كفارة فيه ولا إثم، وقد اختلف في البيع ومثله سائر العقود هل يلزم بالهزل أم لا؟ كما سبق بيانه في الفتوى رقم:151253.
قال القرطبي ـ رحمه الله تعالى: واختلف العلماء في الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق على ثلاثة أقوال:
لا يلزم مطلقاً.
يلزم مطلقاً.
التفرقة بين البيع وغيره، فيلزم في النكاح والطلاق، وهو قول الشافعي في الطلاق قولاً واحداً، ولا يلزم في البيع، قال مالك في كتاب محمد: يلزم نكاح الهازل.
وقال أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية: لا يلزم.
وقال علي بن زياد: يفسخ قبل وبعد.
وللشافعي في بيع الهازل قولان، وكذلك يخرج من قول علمائنا القولان، وحكى ابن المنذر الإجماع في أن جد الطلاق وهزله سواء، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: إن اتفقا على الهزل في النكاح والبيع لم يلزم، وإن اختلفا غلب الجد الهزل. انتهى.
ثم إن اللغو يطلق على كل باطل وما لا خير فيه، كما يطلق على الشرك والمعاصي، وبعض هذه المذكورات ليست من اللغو الذي لا يؤاخذ به إلا في حالات الإكراه، كما سبق بيانه في الفتوى رقم: 12633.
قال في فتح القدير عند تفسير الآية الثالثة من سورة المؤمنون وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ {المؤمنون:3} ـ واللغو: قال الزجاج: هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية.
وقال الضحاك: إن اللغو هنا الشرك.
وقال الحسن: إنه المعاصي كلها. انتهى.
ثم إنه لا فرق بين الجد والهزل وكذلك المزاح إذا كان فيه كذب، أو غيبة، أو نميمة، سواء كان في حال غضب أم لا إلا إذا وصل به الغضب إلى درجة فقد الوعي وذهاب العقل بحيث لم يعد يعي ‏ما يقول، فإنه لا يؤاخذ بما صدر منه في هذه الحالة، لأن العقل هو مناط التكليف، فإن زال العقل فلا تكليف، وما يؤتى به من ألفاظ لا تراد حقيقتها إن كان على وجه التورية فلا بأس بذلك، فإن في التورية مندوحة عن الكذب كما قال بعض أهل العلم وهي أن يتكلم المتكلم بكلام له معنى ظاهر متبادر للسامع، وله معنى آخر خفي، ومقصود المتكلم هو هذا المعنى الخفي، وهذا كله في حق من قصد الكلام المحرم ولو هازلا، أما إذا سبق لسانه إلى ما لم يقصد النطق به، أو نطق به سهوا فلا شيء عليه، قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى: إن الله تعالى وضع الألفاظ بين عباده تعريفا ودلالة على ما في نفوسهم, فإذا أراد أحدهم من الآخر شيئا عرفه بمراده وما في نفسه بلفظه, ورتب على تلك الإرادات والمقاصد أحكامها بواسطة الألفاظ, ولم يرتب تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل، أو قول, ولا على مجرد ألفاظ، مع العلم بأن المتكلم بها لم يرد معانيها ولم يحط بها علما, بل تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم به, وتجاوز لها عما تكلمت به مخطئة، أو ناسية، أو مكرهة، أو غير عالمة به إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به، أو قاصدة إليه, فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية، أو الفعلية ترتب الحكم، هذه قاعدة الشريعة, وهي من مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته, فإن خواطر القلوب وإرادة النفوس لا تدخل تحت الاختيار, فلو ترتبت عليها الأحكام لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة ورحمة الله تعالى وحكمته تأبى ذلك, والغلط والنسيان والسهو وسبق اللسان بما لا يريده العبد، بل يريد خلافه والتكلم به مكرها وغير عارف لمقتضاه من لوازم البشرية لا يكاد ينفك الإنسان من شيء منه: فلو رتب عليه الحكم لحرجت الأمة وأصابها غاية التعب والمشقة فرفع عنها المؤاخذة بذلك كله. انتهى.
وقد أجبناك من قبل بما يحسن الرجوع إليه هنا، كما في الفتوى السابقة.
والله أعلم.