السؤال


أنا لا أعرف من أين أبدأ كلامي، ولكن كل الذي أريده أن أقوله أني ارتكبت ذنوبا كثيرة جداً، وأخاف أن لا يغفر لي ربي، وبجد نفسي أتوب عن كل المعاصي التي أنا أعملها، سواء مقالب فى ناس حولي، أو أخطاء ارتكبتها فى نفسي مثل الكذب مثلاً، أنا فشارة جداً وبألف قصص وحكايات على كل أصحابي، وكل ما أحاول أترك الكذب لا أعرف ماذا يحصل لي يجعلني أرجع أكذب ثانية، بخلاف أمور أخرى لا أقدر أقول إن البيئة لوحدها عامل أكيد فى كل الذنوب التي أفعلها، لكن أنا أيضا لي يد، وبيدي أن أصلح نفسي، لكن بجد لا أعرف كيف أخاف من عقاب ربنا، ذنوبي كثيرة وكبيرة جداً، ليت أحدا يجاوبني ماذا أفعل لكي أقضي على هذه المعاصي؟





الإجابــة




الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:
فإذا كنت تريدين التوبة بصدق، فإن بابها مفتوح، والله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وهو تعالى عفو غفور، فمن قصده ولجأ إليه بصدق لم يخيب سعيه، وما عليك إلا أن تعزمي عزماً أكيداً على مجانبة المعاصي، وتبدئي صفحة جديدة في حياتك تكون مشرقة بنور الإيمان والطاعة، ومما يعينك على هذا أن تستعيني بربك عز وجل وتتوكلي عليه، وتكثري من الدعاء والتضرع أن يصرف الله قلبك إلى طاعته، وأن يحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبك، ويكره إليك الكفر والفسوق والعصيان، فإن المعونة على هذا لا تستمد إلا من الله عز وجل، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وقال الله عز وجل: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
ومما يعينك على هذا أيضاً أن تستحضري وعيد العصاة والمذنبين، وتخشي أن تلحقك هذه العقوبات التي لا صبر لأحد عليها، والكذب من شر الذنوب، وحسب الكذاب أن يكون مستوجباً للنار والعياذ بالله كما في الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً.... فهل ترضين لنفسك بهذه المنزلة، وأن تكتبي عند الله تعالى من الكذابين والعياذ بالله، وحسب الكذاب مذمة أن تفوته فضيلة الصدق وشرف التحلي به، وما أعده الله للصادقين من المثوبة، واستمعي إلى هذا الكلام الرائع للإمام المحقق ابن القيم رحمه الله في بيان فوائد قصة كعب بن مالك حين صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أنه لم يكن له عذر في التخلف عنه، يقول ابن القيم: ومنها، عظم مقدار الصدق، وتعليق سعادة الدنيا والآخرة، والنجاة من شرهما به، فما أنجى الله من أنجاه إلا بالصدق، ولا أهلك من أهلكه إلا بالكذب، وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، فقال:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ. وقد قسم سبحانه الخلق إلى قسمين: سعداء وأشقياء، فجعل السعداء هم أهل الصدق والتصديق، والأشقياء هم أهل الكذب والتكذيب، وهو تقسيم حاصر مطرد منعكس، فالسعادة دائرة مع الصدق والتصديق، والشقاوة دائرة مع الكذب والتكذيب.. وأخبر سبحانه وتعالى: أنه لا ينفع العباد يوم القيامة إلا صدقهم، وجعل علم المنافقين الذي تميزوا به هو الكذب في أقوالهم وأفعالهم، فجميع ما نعاه عليهم أصله الكذب في القول والفعل، فالصدق بريد الإيمان، ودليله، ومركبه، وسائقه، وقائده، وحليته، ولباسه، بل هو لبه وروحه.. والكذب: بريد الكفر والنفاق، ودليله، ومركبه، وسائقه، وقائده، وحليته، ولباسه، ولبه فمضادة الكذب للإيمان كمضادة الشرك للتوحيد، فلا يجتمع الكذب والإيمان إلا ويطرد أحدهما صاحبه، ويستقر موضعه، والله سبحانه أنجى الثلاثة بصدقهم، وأهلك غيرهم من المخلفين بكذبهم، فما أنعم الله على عبدٍ بعد الإسلام بنعمة أفضل من الصدق الذي هو غذاء الإسلام وحياته، ولا ابتلاه ببلية أعظم من الكذب الذي هو مرض الإسلام وفساده، والله المستعان. انتهى.
ولا نظنك بعد قراءتك لهذا الكلام تستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير، وتصرين على هذه المعصية الذميمة الممقوت فاعلها، وأما ما تفعلينه في الناس مما سميته مقالب، فإذا كنت لا ترضين أن يفعل أحد معك هذا فلم تقدمين أنت عليه؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. متفق عليه.
فاعلمي أيتها الأخت الكريمة أن الأمر يسير بإذن الله، فجاهدي نفسك وجددي العهد مع ربك تبارك وتعالى بالاستقامة على شرعه، وعليك بمصاحبة أهل الخير من الأخوات المستقيمات على الشرع التي يحملنك على الخير وينهينك عن الشر، وأبدلي السيئات بالحسنات، وأكثري من ذكر الله وقراءة القرآن، وثقي أنك إن صدقت في توبتك، فإن الله تعالى سيقبل توبتك ويقيل عثرتك ويغفر زلتك، فقد قال عز وجل: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم.
نسأل الله لنا ولك التوبة النصوح.
والله أعلم.