السؤال
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.

لدي وسواس منذ أن كان عمري 12 سنة، أول ما بدأ معي وسواس الموت، وبعده وسواس الطهارة، والآن وسواس العقيدة، وحينما أقرأ القرآن تأتيني أفكار عن الله، والآن صرت أحس كأني في حلم، كرهت الحياة، وأحس باكتئاب، وعندما أبحث في قوقل وأقرأ عن الاكتئاب أحس أنه يصيبني، كيف خلقنا؟ ولم هذه الدنيا؟ أحس أني لا أستطيع التركيز، عقلي مشوش، أخاف أن أصير مجنونة، أو تكون معي حالة نفسية، أرشدني ربي يسعدك.






الإجابــة
ولقد أحسنت في تشخيص الحالة أنها نوع من الوسواس القهري، ومن الوساوس الصعبة هي وسواس العقيدة والموت والمرض، والأسئلة الكثيرة اللانهائية حول الحياة والكون ومن خلقه ولماذا، وكلما انتهى الشخص من سؤال أتاه من بعده سؤال آخر، وهكذا.

صعوبة الوساوس القهري أنها تأتي في الأمور العزيزة على الإنسان، كدينه وإيمانه وصحته، ومن هنا كانت صعوبات الوسواس، فالمؤمن تأتيه في إيمانه وتوكله على الله، والمحاسب الأمين تأتيه الوساوس على أنه غير دقيق وربما غير أمين أيضا في حساباته، بينما إنسان آخر تأتيه في صحته واحتمال المرض، حيث تدور في ذهنه أفكار أو جمل أو عبارات أو حتى صور وخيالات.

وهكذا فقد لا يسلم شيء مما يعتز به الإنسان ويؤمن به، فتضيق الدنيا على هذا الشخص المبتلى بكل هذه الوساوس، ويبدأ يتساءل هل أنا شخص طبيعي، مما يضاعف في معاناته، وحتى يدخل في دائرة معيبة، وقد تتأثر أنشطته الحياتية من الدراسة والعمل، وهناك حالات كثيرة تصاب بالاكتئاب، والذي نصنفه أنه اكتئاب ثانوي ناتج عن تأثير الوسواس القهري على الجوانب المختلفة لأفكاره ونمط حياته، وكما ربما هو الحال معك.

اطمئني، فكل ما يدور في ذهنك من هذه الوساوس، وربما غيرها كثير لم تذكريها لنا لخجلك منها، أو ارتباكك من ذكرها، كلها وساوس قهرية، لست مسؤولة عنها؛ لأن من تعريف الوساوس أنها أفكار أو عبارات أو جمل أو صور تأتي للإنسان من غير رغبته ولا إرادته، وأنت لاشك تحاولين جاهدة دفعها عنك، إلا أنها تقتحم عليك أفكارك وحياتك، وأنت لا تريدينها.

صحيح أن بعض الناس، وخاصة ممن لم يصاب بالوسواس، يجد صعوبة كبيرة في فهم هذا الأمر، إلا أن هذا لا يغيّر من طبيعة الأمر شيئا، ويبقى الوسواس عملا ليس من كسب الإنسان، وليس من صنعه، والوسواس ليس دليلا أو مؤشرا على "الجنون" أو فقدان العقل أو ضعف الإيمان، كما قد تشعرين أو تفكرين وأنت تكتبين لنا، وإنما هو مجرد مرض نفسيّ، أو صعوبة نفسية قد تصيب أي إنسان لسبب أو آخر، كما يمكن لاضطرابات أخرى أن تصيب أعضاء أخرى من الجسم كالصدر والكبد والكلية، وكما أن لهذه الاضطرابات علاجات، فللوسواس وغيره من الأمراض النفسية علاجات متعددة، دوائية ونفسية وسلوكية.

وفي هذا الموقع الكثير من الأسئلة التي تدور حول الوساوس، مما يعكس أولا مدى انتشارها بين الناس، وإن كان من المعتاد أن لا يتحدث الناس عنها، ولا حتى المصاب، إلا بعد عدة سنوات ربما، حيث يعاني أولا بصمت ولزمن تطويل قد يصل لسبع أو تسع سنوات، ولذلك أشكرك على أن كتبت لنا تسألين.

إن وضوح التشخيص، وفهم طبيعة الوسواس، لهو من أول مراحل العلاج، وربما من دونه قد يستحيل العلاج، ومن أهم طرق العلاج هو العلاج المعرفي السلوكي، وهو الأصل، وهناك بعض الأدوية التي تساعد، والتي هي في الأصل مضادة للاكتئاب، إلا أنها تخفف من شدة الوساوس، وتحسن الحالة المزاجية العامة للشخص وخاصة عندما يصاب بالاكتئاب، ولكن إن وجدت صعوبة كبيرة في التحسّن أو التكيّف، أو طال الأمر وأزمن، فأنصحك بمراجعة طبيب نفسي أو أخصائي نفسي قريب من مكان سكنك، ليقوم على العلاج ويشرف عليه.

وفقك الله وعافاك، وحفظك من كل سوء.