السؤال
إخواني الكرام تحية طيبة وبعد: هناك تساؤل صعب جداً ومحير وشديد الرجاء أن يوجد له جواب عندكم. شخص مسلم يعيش في هذا البلد منذ فترة ليست بالبعيدة بعد أن قدم من الخارج وأنهى دراسته الثانوية. قدم هذا البلد وهو لا يعرف عن عاداته وتقاليده شيئاً إلا ما كان يسمع في الخارج من أقربائه المغتربين أو من خلال تعامله مع الجالية المغتربة. قدم هذا البلد في ظروف صعبة جداً: 1- لم يكن له بيت يستقر فيه، وظروف استقباله وضيافته كانت صعبة وشاقة. 2- معظم من يفترض أنهم ينبغي أن يهتموا بشأنه إما أنهم ماتوا أو أنهم غائبون أو متجاهلون. 3- بدأ منذ وصوله رحلة المعاناة بكل تفاصيلها مع الفارق في الخلفية الثقافية والاجتماعية. وتم ذكر هذه التفاصيل لتبيين حجم المعاناة وشدتها، والذين عايشوا مثل هذه التجارب يعرفون حجم المعاناة ولو كان السفر والغربة داخل البلد. بعد عدة سنوات من المعاناة والكدح والتحصيل العلمي، منّ الله عليه بالهداية بعد الضلال والالتزام بعد الانفلات. وهنا بدأت المعاناة الحقيقية بدأ الفرقان والمفاصلة بينه وبين أقرب الأقربين إليه: 1- ناصبوه العداء الخفي أولاً ثم تدرجوا حتى صار العداء علنياً أو خفياً على شكل النفاق الخفي. 2- حاولوا إرجاعه (للجاهلية) بكل شقاوتها وتفاهتها: مثلاً: استنكار إطلاقه لحيته، استنكار عدم مصافحته للنساء، الاستهزاء به أو بالتيار الذي يتبع إليه وغير ذلك كثير جداً. ولكن لحد الآن لم يستطيعوا إرجاعه. 3- قاموا بإبعاده (بمكر ودهاء لا يوصف) عن إخوانه في الدين لإضعافه أولاً ثم إخراجه من دائرة الدين. 4- حاولوا صده عن سبيل الله وإبعاده عن الطاعات قدر الإمكان: مثلاً: إيقاظه ليلاً فجأة حتى لا يدرك صلاة الفجر جماعةً وحصل مراراً، فصل الكهرباء كذلك عن عمد ومن العداد، محاولة جعله يفطر رمضان عمداً، إدخال الكلاب للبيت حتى لا تدخل الملائكة وغير ذلك. 5- حاولوا تشويه سمعته بنشر الأخبار الكاذبة عنه (متكبر، أناني، مجنون، به مرض نفسي، عقدة نفسية، يعيش حياة ترف وحده) ولكن هناك الكثير ممن زاروه يرون عكس ما يقول المجرمون. 6- سلطوا عليه السفهاء من كل مكان: مثلاً: اقتحموا عليه بيته بكل جرأة ووقاحة، يدخلون ويخرجون ويتركون الباب مفتوحاً ووضعوا القاذورات (الغائط أكرمكم الله) أمام باب غرفته وفي فناء بيته، بل إنه إن جلس داخل الغرفة جاء أحدهم خارج الغرفة (وتبول) على الجدار من الخارج، وسرقوا ما استطاعوا من أغراض يضعها لغرض بناء البيت) وغير ذلك. 7- سلطوا عليه المشعوذين ليتجسسوا على أفكاره وقد عرفوا كثيراً منها. 8- وضعوا كاميرات مراقبة لمراقبته على مدى 24 ساعة ومتابعة كل حركة يقوم بها (والله على ما يقول شهيد حتى أنهم يتابعونه داخل الحمام أعزكم الله). 9- أخيراً وليس آخراً حاولوا وضع السحر له في طعامه حتى يتم مشروع الكفر والصد عن سبيل الله ولكن الله سلم. والمشكلة أنه: 1- حاول الابتعاد عنهم وتجاهلهم مراراً ولمدة طويلة جداً (عامين) وقدر الإمكان، لكنهم لم يتركوه وشأنه لأنهم يحاربونه (هو نفسه الحقير الذليل للأسف) لا لشيء إلا أنه قال: اتقوا الله. 2- بعد اللجوء إلى الله، فإنه لا يجد معيناً من إخوانه (إلا محاولات معدودة الشكر موصول لأصحابها)، وربما يتعرضون لأذى في حال طلب منهم مساعدة (وهو يعلم ضيق إمكانياتهم). 3- لا يستطيع الخروج إلى أي مكان إلا قريباً جداً من بيته لأقصى الضرورات لأنه ببساطة (لا مكان يذهب إليه يغنيه عن هذه الحملة الكبيرة المدمرة). 4- لو أراد تغيير هذا (المنكر) وإنقاذ نفسه فهناك (مفسدة كبيرة متحققة) سوف تقع من جراء هذا التغيير (يقصد طبعاً على صعيد نفسه وليس تغيير غيره). كل ذلك وهو: يتحمل ذلك لسبب واحد (لعلهم يرجعون أو يتوبون أو يذكرون). صمت طويلاً لعام وأكثر لعل الأمور تنجلي بخير. لا يريد إشاعة الأمر، والمعروف أن (الستر) مطلوب في الدين. لكن: تبين له أن القوم يعاندون ويتكبرون ومصممون على الباطل وهم يمضون في محاربة الحق، وبدأوا يتجرأون على الدين ويجاهرون بالمعاصي. والمشكلة الأكبر: أن محاربة الحق لا تقتصر على منكر أو كبيرة من الكبائر أو (استحلال المحرمات)، بل تتعلق (بالإيمان والعقيدة) مثل محاولة الإيقاع في (الكفر الأكبر والشرك والسحر) وتبين له حقيقة مؤلمة (نحن نعيش في جاهلية حقيقية) = وهذه المعلومة هي آخر ما تأكد منها = السؤال المطروح هو: هل تعد نصرة هذا (الشخص) ومعاونته من قبيل (نصرة دين الله) حيث إنه (يظن) أنه ما تحمل ذلك كله إلا (لأجل دينه وخوفاً من الوقوع في الكفر واستحلال المحرمات وهو على الأقل ضعيف لا يتحمل نار جهنم). أرجو الإفتاء في هذا الأمر (بارك الله فيكم)



الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فنسأل الله لنا ولهذا الأخ العافية والثبات على الحق، ولا شك أن المسلم مأمور بنصرة إخوانه من المسلمين المظلومين وهو يعتبر من نصرة الدين لما فيه من السعي في تغيير المنكر.
ومن أدلة نصرة المظلوم قوله صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالما أو مظلوما. فقال رجل: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره. رواه البخاري.
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصر المظلوم ... . رواه البخاري ومسلم.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. متفق عليه.
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاري أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من امرئ يخذل امرءا مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته.
قال صاحب عون المعبود: والمعنى ليس أحد يترك نصرة مسلم مع وجود القدرة عليه بالقول أو الفعل عند حضور غيبته أو إهانته أو ضربه أو قتله إلا خذله الله. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: نصر آحاد المسلمين واجب بقوله صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ـ وبقوله: المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه. انتهى
وقال الشوكاني في النيل: يجب نصر المظلوم، ودفع من أراد إذلاله بوجه من الوجوه، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً، وهو مندرج تحت أدلة النهي عن المنكر. انتهى.
وهذه النصرة يشترط لوجوبها ما يشترط لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من القدرة وأمن الضرر المعتبر. قال النووي: أَمَّا نَصْر الْمَظْلُوم فَمِنْ فُرُوض الْكِفَايَة, وَهُوَ مِنْ جُمْلَة الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر, وَإِنَّمَا يَتَوَجَّه الْأَمْر بِهِ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخَفْ ضَرَرًا اهـ.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله لم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب. رواهأحمد وأبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني.
وهذا القيد: "هم أعز وأكثر ممن يعمله" لا بد من الالتفات إليه عند الحكم بالوجوب، فمن قدر على نصر مظلوم، ولم يخف بسبب ذلك وقوع ضرر محقق أو غالب على نفسه ـ وجب عليه ذلك، وأثم بتركه. ومن فعل ذلك مع خوف الضرر فهو محسن مأجور ما لم تتسبب هذه النصرة في حصول مظالم أعظم ومفاسد أكبر.
وراجع لمزيد البيان الفتويين رقم: 141805، 9358 .
والله أعلم.