] السؤال
يا شيخ: عندي بعض التفسيرات للآيات الكريمات, وأتمنى التصحيح لي إذا وجد خطأ, وهل يصح أن أحاول التفسير بهذه الطريقة؟ قال تعالى: "وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا * وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا" الآية: "وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا" وجدت التفسيرات لها أن المقصود بها الصراط الذي نمر عليه, ويمر المومن كالبرق وكالطير ..., لكننا بصراحة عندما ننظر للآية ونقرأ الآيات قبلها نجدها تختص بالكفار فقط, وليس المؤمنين. قال تعالى: "وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا" هنا المقصود الكافر وليس المؤمن, فعند قراءة الآيات بشكل متسلسل تجد أن المقصود فيها الكفار والمؤمنين, وليس لهن أي علاقه بالتفسير المنتشر. فتفسيري بشكل كامل - بفضل الله -: أنه يأتي الكفار والشياطين حول جهنم, ومن الممكن أن يتأثروا بحرارتها, وهكذا..., فالذين كانوا كفارًا بشكل أقل يتم إخراجهم من النار, ولا يدخل النار إلا الكفار المصرون, والذين فعلوا الكبائر, والتوضيح هو: قوله تعالى: "ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا" فأتوقع أن المؤمن غير مقصود بالآيات هنا مطلقًا, بل المؤمن لا يرى النار؛ لأنه حتى الصراط الذي يمر الناس فيه لا أتوقع أنه يوجد, والدليل: "لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون * لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون" والدليل الآخر أنهم لن يروا النار أصلًا قال تعالى: "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون" هذا أولًا, وأتمنى إن وجد فيه خطأ التصحيح. ثانيًا: قوله تعالى: "وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ(11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ(13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ" "لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ(38) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ(39) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ" هل يصح التقسيم هذا - وهو للتبشير -؟ إذا نظرنا لمعنى الثلة, وهو تقريبًا الثلث, فعندما نقسمها على عشرة, نجد ثلاثة من السابقين الأولين قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام, وثلاثة من أصحاب اليمين الأولين, وثلاثة من أصحاب اليمين الآخرين, فيتبقى واحد, وهم: "وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ(11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ(13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ" "وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ", ويبقى قليل من الناس, وهم أصحاب النار - والعياذ بالله -. هل تصح القسمة هذه وتبشير الناس بها؟ جزانا الله خيرًا أجمعين, ولكم الشكر.



الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإننا ننصح جميع الإخوة الباحثين أن يحرصوا على تعلم تفسير القرآن انطلاقًا من كلام أهل الاختصاص من علماء التفسير قبل أن يحاول الواحد اكتشاف تفسير جديد، وعليهم أن يهتموا بعلوم الأقدمين وتفاسيرهم, والكتب التفسيرية التي تعتني بالمأثور عنهم, فتنقل ما أثر عن السلف من التفسير، فقد قال شيخ الإسلام في بيان فضل علم السلف الأول: ولهذا كان معرفة أقوالهم في العلم والدين وأعمالهم خيرًا وأنفع من معرفة أقوال المتأخرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله ـ كالتفسير, وأصول الدين وفروعه, والزهد, والعبادة, والأخلاق, والجهاد, وغير ذلك, فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة، فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يذكر من إجماع غيرهم ونزاعهم. انتهى.
وعليه؛ فلا يسوغ العدول عن منهج السلف في التفسير, وكل ما خرج عن هذا المنهج السليم القويم لا يقبل من صاحبه كائنًا من كان, ولا يقبل عقلًا ولا شرعًا أن يكون الله قد أضل كل هذه الأمة طيلة القرون الماضية عن مراده في كتابه حتى جاء متأخر يدعي الاهتداء لما ضلت عنه الأمة.
وعلى المسلم في بداية الطلب أن يتعرف على الحق والتفسير الصحيح أولًا, ولا يشغل نفسه بالاكتشافات, والبحث عن الشبه, وأن يعلم أن أهل العلم ذكروا أن الأصل حمل القرآن على الحقيقة؛ لأنها الأصل ما لم يترجح المجاز بشهرة، كما قال السبكي في الأشباه والنظائر: حمل اللفظ على ما يتبادر إلى الذهن أولى, ومن ثم يحمل على الحقيقة ما لم يترجح المجاز بشهرة، أو غيرها. انتهى.
وقال الشيخ ابن عثيمين: لو تأمل المتكلم الكلام وأعطاه حقه من التأمل لعلم أن القرآن المبين ليس فيه شيء تكون معانيه رمزية، فإن الرموز مخالفة لبيان القرآن الكريم، بعيدة عن دلالاته كيف, وقد قال الله عنه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ {النحل:89}، وقال تعالى: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ {فصلت:3}، وقال في وصفه: حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ {الزخرف:1-3}, وقال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ {يس:69}، فكيف يكون هذا القرآن العظيم الذي نزل تبيانا لكل شيء، وفصلت آياته، ووصفه من أنزله بأنه مبين، وأنه جعله قرآنا عربيا من أجل عقله وفهمه، إلى أن قال ـ رحمه الله: إذا كنا نمنع منعًا باتًا الدلالات الرمزية في الأحكام التكليفية التي متعلقها أعمال العباد التي قد يسوغ الاجتهاد في بعضها حسبما تقتضيه الشريعة, فكيف نسوغ لأنفسنا أن نعمل بالدلالات الرمزية في الأخبار المحضة التي لا مجال للرأي فيها بوجه من الوجوه؟ إننا لو سوغنا ذلك لأنفسنا لتلاعب الناس في كلام الله وكلام رسوله، وصار كل واحد من الناس، أو كل طائفة من الناس تدعي أن هذه الآية، أو هذا الحديث رمز لكذا وكذا، فتبطل الشريعة بهذا المعيار عقيدة ومنهجًا. انتهى من مجموع فتاوى ورسائل العثيمين.
وأما عن موضوع السؤال فمرور الناس جميعًا على النار وورودهم إياها أمر قد نطق به القرآن المجيد، فذكر الله تعالى في كتابه أن الناس جميًعا يردون النار، وأن المتقين ينجون منها، ويبقى فيها الظالمون. قال تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا {مريم:71-72}، ومنكم خطاب لمن نزل عليهم القرآن, وذلك يشمل المؤمنين من الصحابة وغيرهم من الكفار؛ ولذا خاف الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - وبكى عند تذكرها كما قال الطبري في تفسيره: كان عبد الله بن رواحة واضعًا رأسه في حجر امرأته، فبكى، فبكت امرأته، قال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك تبكي فبكيت، قال: إني ذكرت قول الله: (وإن منكم إلا واردها) فلا أدري أنجو منها، أم لا؟ اهـ
وقد اختلف العلماء في معنى الورود المذكور في الآية على أقوال:
القول الأول: أن المراد دخول النار حقيقة، قالوا: ولكنها تكون للمؤمنين بردًا وسلامًا.
القول الثاني: أن المراد بذلك المرور على الصراط، وليس دخول النار حقيقة.
ويؤيد القول الثاني ما في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن صفة الصراط وفيه: ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم, قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب، وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح, وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب, فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم.... الحديث، وهذا لفظ مسلم.
ورجح العلامة محمد الأمين الشنقيطي - رحمه الله - أن الورود المذكور في الآية هو الدخول، وأن جميع الناس يدخلونها، وتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم، وأجاب عن آية ...أولئك عنها مبعدون فقال في دفع إيهام الاضطراب ما لفظه: قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا, هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ النَّاسِ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ وُرُودِ النَّارِ، وَأُكِّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [71]، وَقَدْ جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مُبْعَدٌ عَنْهَا لَا يَسْمَعُ لَهَا حِسًّا، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا الْآيَةَ [101 - 102], وَالْجَوَابُ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْأَلُوسِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: «مُبْعَدُونَ» أَيْ: عَنْ عَذَابِ النَّارِ وَأَلَمِهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ إِبْعَادُهُمْ عَنْهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونُوا قَرِيبًا مِنْهَا، وَيَدُلُّ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَجَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي سُمَيَّةَ قَالَ: اخْتَلَفْنَا هَاهُنَا فِي الْوُرُودِ فَقَالَ بَعْضُنَا: لَا يَدْخُلُهَا مُؤْمِنٌ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَدْخُلُونَهَا جَمِيعًا ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا، فَلَقِيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ وَأَهْوَى بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: صُمَّتا، إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْوُرُودُ الدُّخُولُ لَا يَبْقَى بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ إِلَّا دَخَلَهَا فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ حَتَّى إِنَّ لِلنَّارِ ضَجِيجًا مِنْ بَرْدِهِمْ, ثُمَّ يُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا, وَيَذْرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا, وَرَوَى جَمَاعَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ وُرُودَ النَّارِ هُوَ الْمُرُورُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ النَّاسَ تَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ, وَهُوَ جِسْرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ, وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ: الْوُرُودُ الْمُرُورُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ، قَالَهُ الْأَلُوسِيُّ. انتهى.
وقال العلامة الشوكاني - رحمه الله -: وقد اختلف الناس في هذا الورود، فقيل: الورود الدخول، ويكون على المؤمنين بردًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم, وقالت فرقة: الورود هو المرور على الصراط, وقيل: ليس الورود الدخول إنما هو كما يقول وردت البصرة ولم أدخلها, وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود، وحمله على ظاهره؛ لقوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } .... ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط أو الورود على جهنم وهي خامدة فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة فينبغي حمل هذه الآية على ذلك؛ لأنه قد حصل الجمع بحمل الورود على دخول النار, مع كون الداخل من المؤمنين مبعدًا من عذابها، أو بحمله على المضي فوق الجسر المنصوب عليها وهو الصراط. انتهى.
وأما ما ذكرته من أن الكفار الأقل شرًا سيخرجون من النار فباطل, والآية المذكورة هنا في سورة مريم لا تدل على ما توهمته من التفريق المذكور, وإنما يعنى بها أن العتاة القادة في الشر يجمعون أولًا ثم يلقون في النار ثم يتبعون بالبقية, قال ابن جزي في تفسيره: {ثم لننزعن من كل شيعة} الشيعة: الطائفة من الناس التي تتفق على مذهب أو اتباع إنسان، ومعنى الآية أن ينزع من كل طائفة أعتاها فيقدمه إلى النار، وقال بعضهم: المعنى نبدأ بالأكبر جرمًا فالأكبر جرمًا....اهـ
وقال الشيخ السعدي: ثم لننزعن من كل طائفة وفرقة من الظالمين المشتركين في الظلم والكفر والعتو أشدهم عتوًا، وأعظمهم ظلمًا، وأكبرهم كفرًا، فيقدمهم إلى العذاب، ثم هكذا يقدم إلى العذاب، الأغلظ إثمًا، فالأغلظ وهم في تلك الحال متلاعنون، يلعن بعضهم بعضًا، ويقول أخراهم لأولاهم: { ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابًا ضعفًا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون * وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل}. اهـ
وأما التقسيم الذي ذكرت في آيات الواقعة فليس صحيحًا, ومن الباطل فيه قولك: إن قليلًا من الناس هم أصحاب النار, والنصوص تدل على كثرة أهل النار، روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله: يا آدم: فيقول: لبيك وسعديك والخير كله في يديك، ثم يقول: أخرج بعث النار, قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذاك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها. اهـ
وكذا زعمك أن الثلة يراد بها الثلث, وإنما يراد بها الجماعة من الناس، وأصلها القطعة من الشيء, كما في أضواء البيان للشيخ الشنقيطي.
وقد وضح - رحمه الله - المراد بالثلة المذكورة فقال: وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الثلة من الأولين، وهذا القليل من الآخرين المذكورين هنا، كما اختلفوا في الثلتين المذكورتين في قوله: { ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} [الواقعة : 39 - 40], فقال بعض أهل العلم: كل هؤلاء المذكورين من هذه الأمة، وأن المراد بالأولين منهم الصحابة, وبعض العلماء يذكر معهم القرون المشهود لهم بالخير في قوله صلى الله عليه وسلم « خير القرون قرني ثم الذين يلونهم » الحديث, والذين قالوا: هم كلهم من هذه الأمة، قالوا: إنما المراد بالقليل، وثلة من الآخرين، وهم من بعد ذلك إلى قيام الساعة, وقال بعض العلماء: المراد بالأولين في الموضعين الأمم الماضية قبل هذه الأمة، والمراد بالآخرين فيهما هو هذه الأمة, قال مقيده - عفا الله عنه, وغفر له -: ظاهر القرآن في هذه المقام: أن الأولين في الموضعين من الأمم الماضية، والآخرين فيهما من هذه الأمة، وأن قوله تعالى: { ثلة من الأولين وقليل من الآخرين } في السابقين خاصة، وأن قوله: { ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} [الواقعة : 39 - 40] في أصحاب اليمين خاصة, وإنما قلنا: إن هذا هو ظاهر القرآن في الأمور الثلاثة، التي هي شمول الآيات لجميع الأمم، وكون قليل من الآخرين في خصوص السابقين، وكون ثلة من الآخرين في خصوص أصحاب اليمين؛ لأنه واضح من سياق الآيات, أما شمول الآيات لجميع الأمم فقد دل عليه أول السورة؛ لأن قوله: { إذا وقعت الواقعة } [ الواقعة : 1 ] - إلى قوله: { فكانت هباء منبثا } [ الواقعة : 6 ] لا شك أنه لا يخص أمة دون أمة، وأن الجميع مستوون في الأهوال والحساب والجزاء, فدل ذلك على أن قوله: { وكنتم أزواجًا ثلاثة } [ الواقعة : 7 ] عام في جميع أهل المحشر, فظهر أن السابقين وأصحاب اليمين منهم من هو من الأمم السابقة، ومنهم من هو من هذه الأمة, وعلى هذا، فظاهر القرآن أن السابقين من الأمم الماضية أكثر من السابقين من هذه الأمة، وأن أصحاب اليمين من الأمم السابقة ليست أكثر من أصحاب اليمين من هذه الأمة؛ لأنه عبر عن السابقين من هذه الأمة بقوله: {وقليل من الآخرين} وعبر عن أصحاب اليمين من هذه الأمة {وثلة من الآخرين} .اهـ
وأما الصراط فقد بينا الأدلة على وجوده في الفتوى رقم: 8056 .
والله أعلم.