سن اليأس قبل أوانها

تابع
بقلم أنور نعمة




تزوجت وهي في الخامسة والعشرين. وبعد ثلاثة أعوام من الترقب والقلق، وقع الخبر السعيد بحدوث الحمل. تنفست الصعداء وأخذت تشعر بالهدوء النفسي والطمأنينة. وبعد تسعة أشهر وضعت طفلها الأول بسلام. ترعرع الطفل ونما وبلغ السنتين. قررت الأم أن تنجب طفلاً آخر. مضى شهر، شهران، سنة، سنتان، من دون أن تستطيع الأم أن تحمل. أخذت العادة الشهرية لديها تأتي في فترات متباعدة، وبدأت تعاني من توهج في الوجه من حين إلى آخر. قرعت باب الطبيب المختص مستفسرة عن سبب عدم قدرتها على الحمل. خضعت لبعض الفحوص الطبية، وأجرت عدداً من التحاليل المخبرية. جاءت النتائج الأولية لتشير إلى وجود فشل في المبيض لإنتاج البويضات اللازمة للإلقاح.
المعروف أن المرأة تملك مبيضين يحتويان على مخزون محدد من البويضات يقدر بنحو خمسة ملايين بويضة عند الولادة، إلا أن ثلثي هذا العدد يـمـوت في الأشـهر الثلاثة الأولى من العمر، وما أن تـصـل الأنثى إلى مرحلة البلوغ حتى يفنى قسم كبير من تلك البويضات بحيث لا يبقى سوى عدد يراوح بين 400 إلى 500 ألف بويضة، ومن هذا الرقم تحتاج المرأة من 400 إلى 500 بويضة ناضجة طوال الفترة الإنجابية.
ويقوم المبيض شهرياً بإنتاج عدد من البويضات وتطويرها، إلا أن واحدة منها فقط تنضج وتستطيع أن تصل إلى الحجم الكامل المناسب لعملية التلقيح، أما الباقي من البويضات فمصيره التحلل والزوال. ويبدأ نشاط المبيضين منذ سن البلوغ، أي من عمر 11 إلى 13 سنة، ويستمر في الظروف الطبيعية حتى مشارف سن الخمسين، وعندما يتوقف المبيضان عن إنتاج البويضات يقال عندها أن المرأة دخلت مرحلة سن اليأس.
غير أن بعض النساء، لسبب أو لآخر، قد يدخلن رحاب سن اليأس في عمر أبكر من الخمسين، أي قبل الأربعين أو حتى في الثلاثينات من العمر، بل هناك فتيات عانين من سن اليأس في العشرين، ما يعتبر مشكلة كبيرة للغاية بل كارثة صحية، لأنها تحرم المرأة من أعز شيء لديها وهي الأمومة، لعدم قدرة المبيض على إنتاج البويضات وهرمون الأستروجين اللازمة للحمل، أي الإصابة بالعقم.
وتحدث سن اليأس المبكرة لدى واحد في المئة من النساء اللواتي تنقطع لديهن الدورة قبل سن الأربعين. ولا تحل سن اليأس المبكرة على صاحبتها فجأة بل في شكل تدريجي، إذ يتراجع إنتاج البويضات، وتضطرب الدورة الشهرية التي تأتي على فترات متباعدة إلى أن تتوقف كلياً. ويصاحب هذه التغيرات خلل على صعيد الهرمونات، وتلوح في الأفق مظاهر سن اليأس المبكرة التي تتمثل في المؤشرات الآتية:

  • توقف العادة الشهرية.
  • توهج الوجه والهبات الساخنة المفاجئة والمتكررة خصوصاً في الليل.
  • عدم القدرة على الإنجاب.
  • اضطرابات في النوم والمزاج.
  • القلق والكآبة والشعور بالضيق.
  • بعد سنوات عدة تحدث تغيرات طارئة في الجهاز البولي والتناسلي والعظمي، مثل التبول اللاإرادي، وارتخاء المهبل، وداء هشاشة العظام.

ما هي أسباب سن اليأس المبكر؟
هناك جملة من الأسباب المتهمة:

  • خلل في الغدة النخامية، بحيث لا تطلق هذه الأخيرة الهرمونات اللازمة التي تساهم في عملية نضوج البويضات. وينتج الخلل إما عن وجود ورم أو عن كيس يضغط على مكونات الغدة فيجعلها عاجزة عن صنع وطرح هرموناتها.
  • خلل في المستقبلات المبيضية التي تعمل عليها هرمونات الغدة النخامية فلا تستطيع هذه الأخيرة العمل على تحفيز نضوج البويضات.
  • الوراثة، فقد أشارت دراسات إلى أن النساء اللواتي يملكن تاريخاً عائلياً هن أكثر تعرضاً لخطر الإصابة بسن اليأس المبكرة.
  • أسباب مناعية، وتعتبر هذه من أهم الأسباب، فالجسم في هذه الحال يعمل على صنع مضادات أجسام تقوم بمهاجمة المبيض فتمنعه من القيام بمهمته الأساسية في إنتاج البويضات.
  • أسباب استقلابية، مثل الإصابة بمرض فرط الغالاكتور في الدم.
  • أسباب سمية، مثل الأشعة والعلاجات الكيماوية للسرطان والتدخين والمبيدات الحشرية، فهذه كلها تعرقل عمل المبيض وتمنعه من القيام بوظيفته.
  • الاستئصال الجراحي للمبيضين نتيجة وجود أورام خبيثة تستوجب إزالتهما.
  • تعرض المبيضين لإصابات جرثومية وفيروسية.
  • أنظمة التخسيس القاسية.
  • مزاولة الأنشطة الرياضية العنيفة.
  • أسباب مجهولة، فقد يحدث سن اليأس لأسباب غير واضحة.

كيف يشخص سن اليأس المبكرة؟
في حال الشك بسن اليأس المبكرة يجب عمل التحريات المناسبة ومن أهمها قياس مستوى هرمونات الغدة النخامية والغدة الدرقية والغدة فوق الكلية. وكذلك مستوى هرمون الأستروجين في الدم، إضافة إلى التحريات المخبرية للكشف عن وجود مضادات مناعية ضد المبيض أو الغدد الأخرى أو غيرها من الأعضاء في الجسم.
كيف تعالج سن اليأس المبكرة؟
يتم العلاج وفقاً للسبب الذي أدى إلى توقف عمل المبيضين عن إنتاج البويضات. وفي انتظار زوال السبب، فقد يصف الطبيب هرمون الأستروجين لتعويض نقصه في الجسم وللتقليل من العوارض المزعجة لسن اليأس المبكرة. وهناك محاولات لعلاج سن اليأس المبكرة بواسطة الخلايا الجذعية، وقد حققت هذه الخطوة نتائج باهرة عند الحيوان، فهل تنجح لدى الإنسان؟