صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 7 إلى 12 من 13

11 دقيقة , رواية 11 دقيقة , للكاتب بابلو كويلو


وهذا مقطع مما دونته ماريا فى يومياتها ليلة أهداها رالف حافلة قطارة الكهربائى . " أن الرغبة العميقة , الرغبة الحقيقة هى أن تقترب من أحدهم . بدءا من هذه
  1. #7

    افتراضي رد: 11 دقيقة , رواية 11 دقيقة , للكاتب بابلو كويلو

     

    وهذا مقطع مما دونته ماريا فى يومياتها ليلة أهداها رالف حافلة قطارة الكهربائى .

    " أن الرغبة العميقة , الرغبة الحقيقة هى أن تقترب من أحدهم . بدءا من هذه اللحظة , نتجلى ردود الفعل تدريجيا , ويدخل الرجل والمرأة فى اللعبة , لكن الجاذبية التى جمعتها لا تفسر . انها الرغبة فى حالتها الخالصة .

    وحين تكون الرغبة عند هذه المرحلة من الصفاء , يشعر الرجل والمرأة بشغف للوجود , ويعيشان كل لحظة يورع وتعبد ووعى . بانتظار اللحظة المناسبة لأحتفال بالبركة العتيدة .

    لا يستعجل الناس الذين يعيشون هذه الحالة ولا يعجلون الأحداث من خلال تصرفات متهورة . يعرفون أن الحتمى سيتحقق , وان الحقيقة تجد دومآ سبيلا لتظهر وتعبر عن نفسها . لا يترددون ولا يضيعون فرصة واحدة , ويستغلون كل دقيقة سحرية متاحة , لان الثوانى تصبح ذات قيمة لا حد لها .


    * * * * *







    فى الأيام التالية , أكتشفت ماريا انها من جديد أسيرة الفخ الذى طالما تجنبته . ومع ذلك , لم تشعر بالحزن ولا بالقلق , بل على العكس كانت تشعر بالحرية اذ ليس لديها ما تخسره .

    مهما بدا لها الوضع رومنتيكى , فقد كانت تعرف ان رالف هارت سيتفهم ذات يوم أنها فقط مجرد عاهرة فيما هو فنان محترم , وانها اتية من بلاد تتخبط فى أزمات متعددة , تقع الى الجهة الأخرى من العالم , فيما هو يعيش فى بلاد أشبه بجنة حيث ينعم الموان بكامل حقوقه منذ ولادته وحتى مماته . سيفهم انه تردد الى أفضل المدراس , وزار أعظم متاحف الكواكب , فيما هى حصلت بجهد جهيد , دروسها الثانوية , وان حلمه سرعان ما يتلاشى . خبرت ماريا الحياة بما فيه الكفاية لكى تدرك أن الواقع لا يتوافق مع الأحلام . لكن هذه فرحتها الكبرى حاليا , وان سعادتها لا ترتبط بالأحداث التى تحصل .

    " يا ألهى كم أن رومنتكية "

    أخذت تتساءل عما يمكن أن يجعل رالف هارت , سعيدآ . هذا الرجل الذى أعاد اليها كرامتها واستشف فيها ضوءا , وهى التى حسبت انها فقدت ذيتك الكرامة والضوء الى الابد . لكن الطريقة الوحيدة التى تبادل بها كرمه تجاهها هى ان تعيد له الاهتمام بالجنس الذى كان يعتبره " أختصاص " ماريا . لكن , بما أن الامور فى " كوباكابنا " تجرى على المنوال نفسه والرتابة نفسها دون ان يتغير فيها اى شئ , فقد قررت أن تستقى معلوماتها من مصادر اخرى .

    ذهبت لرؤية بعض الأفلام الأباحية , ولم تجد فيها ما يثير الأهتمام . باستثناء بعض التنوعيات المتعلقة بعدد الشركاء . لم تقدم لها الافلام اى شئ , فصممت , ولاول مرة منذ وصولها الى جنيف الى تشترى كتبا عن الموضوع , مع انها كانت غير مطئمنة الى ان ترى رفوق مكتبتها مزدانى بالكتب التى تفقد قيمتها فور الانتهاء من قراءتها . ذهبت الى مكتبة اهتدت اليها اثناء تجولها مع رالف على طريق مار يعقوب , وهناك سالت عن عناوسن بعض الكتب التى تتناول الأمور الجنسية .

    أجابت صاحبة المكتبة :

    - هناك عدد هائل من الكتب , الى درجة يبدو معها وكأنهم لا يهتمون الا بعذا الموضوع . بالأضافة الى القسم المختص بهذه الأعمال , هناك فى جميع الروايات التى ترينها أمامك , مشهد عن الجنس على الأقل . واذا كانت موضوعات الكتب تدور فى الظاهر حول قصص الحب المؤثرة أو الأبحاث الجادة عن السلوك البشرى , تبقى النتيجة واحدة وهى أن الناس يولون أمور الجنس اهتمامهم الأول !

    كانت ماريا تعرف , مع كل الخبرة التى تملكها , ان المرأة مخطئة . يحلو للجميع أن يفكروا أن العالم بأجمعه منشغل بقضية الجنس . يتبع الناس الحميات الغذائية . ويرتدون الشعر المستعار , ويقضون الساعات عند مزين الشعر او فى صالات الرياضة , ويرتدون الملابس المثيرة...يفعلون كل هذا لكى يخلفوا شرارة السحر والجمال المرغوبة . وماذا بعد ؟ عندما يحين الوقت لأنتقال الى الفعل , يقتصر الأمر على احدى عشرة دقيقة . هل كل شئ . لا أبداع ولا اى شئ يمكن ان يقود الى النخبة . ولا تلبث الشرارة ان تخمد فى قليل من الوقت ومعها النار باكملها .

    لكن ,لا يبدو النقاش مجديا مع الفتاة الشقراء التى تعتبر ان العالم يجد تفسيره فى الكتب . طلبت ماريا أن ترى القسم المخصص للجنس . وهناك وجدت عددة كتب تتحدث عناوينها عن الشاذين جنسيا والساحقيات والراهبات . كانت هناك قصص صاخبة عن الكنيسة . وأعمال تحوى رسوما تمثل التقنيات الشرقية فى الجنس , كتاب واحد استوقفها واثار فضولها وكان بعنوان " الجنس المقدس " لعله مختلف عن الكتب الاخرى .

    اشترته ورجعت الى البيت . أدارت الراديو على محطة تبث موسيقى تلائم التفكير . تصفحت الكتاب , ولاحظت فيه وضعيات متنوعه لكن وحده بهلوان السيرك " المشهور بلى اعضائه " يمكنه القيام به . وكان النص مضجراً .

    ان الخبرة التى اكتسبتها ماريا عن طريق التجربة كانت كافية لتعرف أن الأمر لا يتعلق بالوضعيات التى تمارس بها الحب , وان التنوعيات تأتى فى معظم الحالات بطريقة عفوية لا واعية كخطوات الرقص . ومع ذلك حاولت أن تركز تفكيرها على قراءة الكتاب .

    وبعد ساعتين من القراءة , أدركت أمرين , اولهما ان عليها ان تتناول العشاء سريعاً لأن عليها العودة الى " كوباكابانا " . وثانيها ان مؤلف هذا الكتاب لا يعرف شيئاً أطلاقا عن الموضوع . هناك الكثير من النظريات والمراجع الشرقية والطقوس السخيفة والاقتراحات المضحكة . عرفت أن مؤلف الكتاب قد مارس التأمل فى هيمالايا ( يجب ان تستعلم عن هذا المكان ) , وتابع دروسا فى اليوغا ( سمعت عن هذه الرياضة ) , وفر كثيرآ عن الموضوع لأن الكتاب حافل بالأستشهادات , لكنه غفل عن الجوهرى . ليس الجنس مسألة نظرية وبخورآ نحرقه ونقاط تماس نستكشفها , ولا أنحناءات ووضعيات معقدة . ثم , كيف يمكن لفرد ( أو بالأحرى لأمراة , لانها عرفت لاحقا أن الكاتب امرأة ) لن يجرو على الكتابة فى مسألة لا تعرف لا تعرف ماريا نفسها عنها شيئاً , مع انها تعمل فى هذا المجال ؟ لعل الخطأ فى الكتاب , كان عائدا الى التركيز على هيمالايا بالذات او الى الرغبة فى تعقيد هذا الموضوع الذى يكمن جماله فى البساطة وفى الشغف الذى يحركه . اذا كانت هذه الكاتبة قادرة على نشر عمل بهذا الغباء , فبوسع ماراي اذن أن أن تفكر جديا فى مشورعها وتنشر كتابها الذى اعطته عنوان " أحدى عشرة دقيقة " لأنها ستكتفى فيه برواية قصتها ببساطة دون خبث ولا رياء .

    لكن , ليس لديها الوقت , ولا رغبة فى القيام بذلك . عليها أن تحصر كل همها فى أسعاد رالف , وتعلم كيفية أدراة شؤؤن المزرعة .



    * * * * *












    ما كتبته ماريا فى يومياتها بعد فترة قليلة من الفراغ من قراءة كتابها المضجر .

    " التقيت رجلا وقتئذت به . سمحت لنفسى أن اقع فى الحب لسبب بسيط وهو أدنى لا أتوقع شيئا . أعرف أننى بعد ثلاثة أشهر سأغادر بعيدآ . وان هذا الحب لن يكون الا مجرد ذكرى , لكنى لم أعد تستطيع تحفل العيش دون حب , بلغ بى الامر حدا لا يطاق .

    أكتب قصة من أجل الف هارت . هذا هو اسمه . لا اعرفه اذا كان سيرجع الليلة الى الحانة التى اعمل فيها . لكنى , وللمرة الأولى فى حياتى , أشعر ان مجيئه لن يغير شيئا . يكفى أن أحبه وأن اكون معه بالفكر وان تضفى خطواته وكلماته وحنانه ألوانا على هذه المدينة الرائعة . حين أغادر هذه البلاد ,’ سيكون لها وجه واسم . وسأحمل معى ذكرى ثار فى مدفأة .

    وكل ما عشته هنا من أمور مغايرة , كل المصاعب التى واجهتها ستتلاشى . أزاء هذا الشعور الغامر بالطمأنينة .

    أود لو أصنع من أجله ما صنعه من أجلى . فكرت كثيرآ واكتشفت اننى لم ادخل هذا المقهى مصادفة . ذلك أن اللقاءات الأهم تتم على مستوى الأرواح حتى قبل أن تتقابل الأجساد .

    هذه اللقاءات تحدث غالبا حين تشعر أنا جاوزنا الحد , حين تشعر بالحاجة الى الموت والولادة من جديد على صعيد انفعلاتنا .
    اللقاءات تنتظرنا , لكننا تعمل ى معظم الأحيان على أجهاضها .

    عندما نكون يائيسين , عندما لا يكون لدينا ما نخسره , أو عندما يشعلنا حماسنا للحياة . عندئذ , يعلن المجهول ظهوره المفأجى , ويغير مجرى حياتنا .

    يعرف الجميع الحب . هذا أمر قطرى , يمارسه البعض بطريق نلقائية . لكن معظم ينبغى لهم أن يتعلموه من جنيف , وأن يتذكروا كيف نحب , عليهم جميعا , دون استنثناء , أن يحترقوا بنار أنفعالاتهم الماضية . وأن يعيشوا من جديد افراحآ والاما , نكسات ولحظات عافية , حتى يتمكنوا من اكتشاف الأمل المرجو الذى يمكن خلف كل لقاء جديد .

    تتعلم الأجساد اذن أن تتكلم بلغة النفوس , هذا ما يدعى الجنس . هذا ما يمكن أن اعطية لأنسان الذى أرجع الى نفسى , حتى لو كان يجهل . المكانة الهائلة التى يحتلها فى حياتى . هذا ما سأله وما سأمنحه اياه , لأننى أريد أن يكو ن سعيدة .



    * * * * *








    أحيانا , تكون الحياة بخيلة جدآ . قد نقضى أيامآ وأسابيع وأشهرآ وسنوات دون أن نشعر بشئ . ثم , فجأة , وما أن نفتح الباب , وهذه كانت حال ماريا مع رالف هارت , حتى ينهار جبل الجليد وتنجلى أمامنا الطريق واسعة فى لحظة واحدة . نخال أننا لا نملك شيئاً , ثم لا نلبث أن نشعر اننا نمتلك ما لا طاقة لنا على أمتلاكه !

    بعد ساعتين من كتابة ماريا ليومياتها , ذهبت الى " كوباكابانا " . وما رآها ميلان حتى جاء لموافاتها وسألها " هل خرجت مع هذا الرسام ؟ " .

    لا شك أنه معروف فى الحانة . لاحظت ذلك من قبل , تحديدآ فى تلك الليلة عندما سدد ثمن التعرفة عن ثلاث زبائن , دون أن يضطر للأستعلام عن التسعيرة . أجابت ماريا " نعم " بحركة من رأسها , وكأنها تسعى لأضفاء جو من الغموض على اللقاء . لكن ميلان لم يعلق أهمية على الموضوع . لأنه كان أكثر منها خبرة فى شؤؤن الحياة .

    - لعلك صرت جاهزة للمرحلة المقبلة . هناك بزبون غير عادى , يطلبك اليوم . قلت له أنك تفتقرين الى الخبرة وهو يثق بى . ربما كان الوقت قد حان للمحاولة .

    - زبون غير عادى ؟ لكن أى علاقة للرسام بذلك ؟
    - هو أيضا" زبون غير عادى " .

    هل كل ما فعله اذن رالف هارت معها , سبق له أن فعله مع أحدى زميلاتها ؟ عضت ماريا على شفتها السفلى ولاذت الصمت . لقد قضت أسبوعا جميلا , ويستحيل عليها نسيان ما كتبت .

    - هل على أن افعل نفس الشئ الذى فعلته مع الرسام ؟
    - لا اعرف ماذا فعلت معه . لكن , اليوم اذا دعاك أحد للشرب , لا تقبلى , لأن الزبائن غير العاديين يدفعون مسبقا , ولن تندمى على التعرف اليهم .

    بدأت السهرة كالعادة . جلست التايلنديات معآ , وأظهرت الكولومبيات سحنة غير مكترثة , وكأن لا شئ جديدة أو مثيرآ للأهتمام , واصطنعت البرازيليات الثلاث ( وهى بينهم ) الشرود . كانت هناك أيضاً نمساوية وألمانيتان . أما باقى المجموعة , فكانت مؤلفة من نساء جئن من أوروبا الشرقية , وجميعهن فارعات الطول وجميلات ذوات عيون فاتحة , ويعثرن على أزواج بسرعة أكثر من الأخريات .

    دخل رجال روس وسويسريون وألمان ,وهم جميعاً يتولون مناصب رفيعة , وقادرون أن يمتعوا أنفسهم بالخدمات الأغلى ثمناً التى تقدمها العاهرات فى أحدى المدن الأعلى فى العالم . أئمة بعضهم الى طاولة ماريا , لكنها نظرت الى ميلان الذى أشار اليها بأن ترفض فى كل مرة . كانت سعيدة , لن تضطر الى فرج ساقيها هذا المساء , ولن نتحمل الروائح , ولن تستحم بعد الممارسة فى صالات الأستحمام الشديدة الدفء . كل ما ينبغى لها أن تفعله هو أن توفر المتعة لرجل سئم من الجنس , وتعلمة كيفية ممارسة الحب . واذا اردنا التفكير فى ذلك جيدآ , فلن تضاهيها أمرأة أبداعا فى الدور الذى تقوم به .

    ومع ذلك تساءلت ماريا , " لماذا يريد هؤلاء الرجال الذين خبروا كل شئ أن يعودوا الى نقطة البداية ؟ " . على أى حال , هذه ليست مشكلتها ما دامت تجنى ىالكثيرمن علاقتها بهم , فهى رهن أشارتهم .

    دخل رجل الى الحانة يبدو أصغر سنا من رالف جميل , أسود الشعر وذو أسنان رائعة . كان يرتدى بذلة على الطراز الصينى بلا ربطة عنق مع قبة بسيطة وتحتها قميص ناصعة البياض . اتجه الى البار . اقترب من ميلان وحولا نظريهما تجاه ماريا . ثم اقترب الزبون منها وقال " هل ترغبين بشرب شئ ما ؟ " .

    أوما ميلان برأسه ودعت ماريا الرجل لكى يجلس الى طاولتها . طلبت عصير فواكه , وانتظرت دعوته الى الرقص . عرف الرجل عن نفسه , قائلا " ادعى تيرنس , أعمل فى مؤسسة للأسطوانات فى أنكلترا . أعرف أننى موجود فى مكان حيث يمكن أن أثق بالناس . واريد أن يظل ذلك سرآ بيننا .

    كانت ماريا تستعد لتحدثه عن البرازيل عندما قاطعها قائلا :

    - قال لى ميلان أنك تعرفين ماذا أريد .
    - لا أعرف ماذا تريد . لكن أعرف ماذا أفعل .

    سدد الحساب قبل أن تنجز الطقوس , وامسكها من ذراعها , ثم صعدا فى تاكسى واعطاها ألف فرنك . اصابها الذهول , تذكرت العربى الذى اصطحبها الى ذاك المطعم المزين باللوحات الشهيرة . انها المرة الثانية التى تتلقى فيها مثل هذا المبلغ , وبدل أن يرضيها ذلك فقد جلعها تشعر بالتوتر .

    توقفت سيارة التاكسى أمام أحد الفنادق فى المدينة . حيا الرجل الحارس تحية بدا معها أن المكان كان أليفا لديه . صعدا مباشرة الى الغرفة وهى تشرف على النهر . فتح ديرنس قنينة نبيذ فاخر لا نظير له كما يبد , وسكب له كأسا .

    راقبته ماريا , فيما كانت تحتسى النبيذ , ترى ماذا ينتظر رجل مثله . ثرى وجميل , من عاهرة ؟ لم يكن كثير الكلام أطلاقا . لذا بقيت صامته تتساءل عما يمكن أن يرضى " زبونا غير عادى " شعرت انه لا يجدر بها أن تتخذ المبادرة أولا . لكن , ما أن تبدا اللعبة . فأنها ستشارك فيها كما يجب , لأن المبلغ كبير ولا يدفع لها ألف فرنك كل مساء .

    قال تيرنس :

    - لدينا الوقت , كل الوقت الى ترغب فيه . يمكنك النوم هنا اذا شئت .

    عادت تشعر بالأستياء . لم يكن الرجل خائفا على ما يبدو , وكان يتكلم بصوت هادئ , مختلف عن الزبائن الأخرين , ويعرف ماذا يريد . اختار موسيقى رائعة ومناسبة من حيث قوة الصوت وتتلاءم مع أجواء , الغرفة الرائعة التى تطل على بحيرة مدينة فائقة الروعة . كانت بذلته أنيقة وحقيبته الموضوعة فى الزاوية صغيرة الحجم . وكأنه لا يحتاج الى المتاع الثقيل الوزن فى أسفاره , أو كأنه جاء الى جنيف ليقضى فيها ليلة واحدة فقط .

    قالت ماريا :

    - لا , أعود لأنام فى بيتى .

    تغيرت سحنة الرجل الذى كان أمامها , وألتمح فى نظرته المهذبة بريق جليدى .

    قال , وهو يشير الى كرسى قرب المكتب :

    - أجلسى هناك .

    كان هذا أمرأ , أمرا فعلا , وماريا أطاعت وهذا أثارها بطريقة غريبة .

    - أجلسى مستقيمة . هيا , ليكن ظهرك مستقيماً مثل نساء خاصة الناس , وألا فسوف أعاقبك .

    يعاقبنى ! هذا هو " الزبون غير العادى " ! .

    وبلحظة خاطفة , فهمت ماريا كل شئ . أخرجت الألف فرنك من حقيبتها ووضعتها على المكتب .
    قالت وهى تحدق فى عينيه الزرقاوين الجليديتين .
    - أعرف ماذا تريد , ولست مستعدة .

    بدا الرجل وكأنه يعود الى طبيعته , مدركاً أن ما تقوله صحيح .

    قال :
    - احتسى نبيذك . لن أتحدث معك فى شئ . تستطيعين البقاء قليلا أو الذهاب اذا شئت .

    شعرت أن الأطمئنان يعود اليها .

    - لدى وظيفة ورب عمل يحمينى ويثق بى . أرجوك لا تقل له شيئاً .

    تلفظت بهذه الكلمات بنبرة تخلو من التوسل , كانت ببساطة تقول الحقيقة , ليس الا .

    عاد تيرنس الى ما كان عليه . لا لطيفآ ولا قاسيا , فقط رجلآ يعطى انطباعا , بخلاف الزبائن الأخرين , بأنه يعرف ماذا يريد . بدا وكأنه خارج من رعدة أو من مسرحية لم تبدأ بعد .

    لكن , هل عليها أن تغادر بهذه البساطة دون أن تكتشف فعلا ما تعنيه عبارة " زبون غير عادى " ؟
    - ماذا تريد تحديدآ ؟
    - الألم , كما لاحظت , العذاب وايضا الكثير من اللذة .

    فكرت ماريا أن الألم والعذاب لا يتعايشان كثيرآ مع اللذة , مع انها رغبت حتى فى اليأس أن تعتقد العكس , أنه يمكن أن نجنى ثمارآ طيبة من التجارب السلبية الكثيرة فى هذه الحياة .

    أخذها من يدها واقتادها الى النافذة , كان يرى فى الجهة الأخرى للبحيرة برج الكاتدرائية . تذكرت ماريا انها مرت بصحبة رالف هارت باتجاه طريق مار يعقوب .

    - هل ترين هذا النهر , هذه البيوت , هذه الكنيسة ؟ منذ أكثر من خمسائمة سنة لا يزال للنظر نفسه تقريبا باستثناء أن المدينة حينذاك كانت مقفرة تماما , لان مرضا مجهولا أنتشر فى جميع أنحاء أوروبا . لم يكن أحد يعرف لماذا يمت هذا الكم الهائل من البشر . كان هذا المرض يدعى الطاعون الأسود , وهو عقاب أنزله الله بالبشر بسبب خطاياهم . عندئذ , قرر جماعة من الناس ان يفتدوا بأنفسهم البشرية جمعاء , وقاموا بما كانوا يخشونه أكثر من اآ شئ اخر وهو تعذيب أنفسهم . أخذوا يذرعون الطرقات وهم يجلدون أنفسهم بالسياط أو بالسلاسل . كانوا يتألمون بأسم الله وحيتلفون بألمهم , مكتشفين حينئذاك أنهم أكثر سعادة من هؤلاء الذين يصنعون الخبر ويحرثون الارض ويطمعون الحيوانات . لم يعد الألم عقابا بل لذة يكفرون بها عن خطايا البشر . أصبح الألم فرحآ ومعنى للحياة ولذة .

    رجع البريق البارد الى عينيه . أخذ المال الذى وضعته ماريا على المكتب , اقتطع منه مئة وخمسين فرنكا ووضعها فى جزداتها .

    - لا تهتمى لصاحب العمل . هذه هى حصته . وأعدم بألا اقول شيئا . بأمكانك الرحيل ..
    - لا !

    قال ماريا ذلك وهى تستعيد من جديد المبلغ بكامله .

    لعل ما دفعها الى التصرف كان هذا النبيذ , العربى فى المطعم , المرأة ذات الأبتسامة الحزينة , الفكرة بأنها لن ترجع أبدآ الى هذا المكان اللعين , الخوف من الحب الذى كان يتخذ ملامح رجل , الرسائل التى بعثتها لأمها تخبرها فيها عن حياتها الغنية بفرص العمل , الصبى الذى طلب منها قلمآ فى طفولتها , معاركها مع نفسها والذنب والفضول والمال , السعى لأيجاد حدود لتصرفاتها بالذات , الفرص الضائعة التى أفلتت من يدها ....كل ذلك أستعرضته فى ذاكرتها ...وهناك ماريا اخرى موجودة فى هذا المكان , لم تعد تقدم الهدايا بل تقدم نفسها ذبيحة .

    - لقد زال خوفى ويمكننا الذهاب بعيدآ فى اللعبة . اذا كان الأمر ضروريا عاقبنى لأننى امرأة عاصية . كذبت خنت وتصرفت بالسوء مع هؤلاء الذين أحبونى وعملوا على حمايتى .

    دخلت ماريا فى اللعبة . قالت ما ينبعى أن تقوله .
    امرها تيرنس بصوت عال ومثير للدهشة والقلق .

    - أركعى !

    استجابت ماريا لطلبه . لم يعاملها أحد , قط بهذه الطريقة , ولا تعرف ان كل ما تفعله جيدا أم سيئا . أرادت فقط أن تذهب بعيدآ , وفكرت أنها تستحق هذه المعاملة بسبب كل ما فعلته فى حياتها . أضحت أمرأة مختلفة وكان أمراة خرى قد تقمصت جسدها .

    - ستعاقبين لأنك عديمة الفائدة ولأنك لا تعرفين القواعد وتجهلين كل شئ عن الجنس والحياة والحب .

    بدا تيرنس وهو يتكلم وكأنه شخصان , رجل يشرح لها بهدؤء قواعد السلوك البشرى , ورجل أخرها يشعرها أنها أتعس شخص فى العالم .

    - هل تعرفين لماذا أفعل ذلك , لانه ليس من لذة فى الدنيا أكبر من أن نقود أحدآ الى ولوج عالم مجهول , وان نفقده عذريته , ليس عذرية الجسد بل عذرية الروح . هل فهمت ؟

    - فهمت .
    - اليوم بأمكانك أن تطرحى الأسئلة , لكن , فى المرة المقبلة , ما أن ينزع الستار عن المسرح حتى تبدأ المسرحية ولا أحد يمكنه أيقافها . واذا توقفت فهذا لأن روحينا لم يتقفا . تذكرى , أنها مسرحية . يجب أن تكونى الشخص الذى لم تجرؤى يوما أن تكونيه . وستكتشفين شيئا فشيئا أن هذا الشخص هو ذاتك الحقيقة . بانتظار ذلك , حاولى أن تتظاهرى باحتمال المعاناة كونى خلاقة .

    - واذا لم أستطع تحمل الألم ؟
    - ليس هناك ألم . انه فقط شهور يتحول الى لذة , الى سر . قولى لى " لا تعاملنى هكذا , أنا أتالم , لان هذا يشكل أيضا جزءى من المسرحية أناء ولكى تتحاشى الخطر ....اخفضى رأسك ولا تنظرى الى .

    جثت ماريا على ركبتيها , وخفضت رأسها وهى تنظر الى الأرض .

    - لكى تتجنب أن تسبب هذه العلاقة أذية جسدية خطيرة , سنستعمل أصطلاحين . اذ قال أحدنا " أصفر " فهذا يعنى أنه يجب الحد من العنف , واذا قال " أحم " فهذا يعنى أن عليه التوقف فى الحال .

    - قلت " أحدنا ؟
    - نعم لأننا سنتبادل الأدوار , لا وجود لأحد دون الاخر , ولا أحد بامكانه أن يدل الاخر , الا اذا سمح للأخر بأذلاله .

    كانت هذه الكلمات مرعبة , أتية من عالم لا تعرفه , عالم خافل بالظلمة والوحل والعفن . ومع ذلك كانت تحدوها رغبة الذهاب بعيدآ , كان جسدها يرتجف خوفآ وأثارة .

    لامست يد تيرنس راسها بحنان غير متوقع .
    قال :
    - انتهت اللعبة .

    توسل اليها أن تنهض بنبرة لا تخلو من بعض الحنان , وان حلت من العدائية الجافة التى أظهرها من قبل . ليست ماريا سترتها وهى لا تزال ترتجف . لاحظت تيرنس الحالة التى كانت فيها .

    - دخنى سيجارة قبل أن ترحلى .
    - لم يحدث شئ .
    -ليس هذا ضروريأ . لكن هذا اللقاء سيتابع مساره فى روحك . وفى المرة المقبلة عندما نلتقى , ستكونين أكثر استجابة .
    - هل تساوى هذه السهرة ألف فرنك ؟

    لم يجب أشعل هو أيضا سيجارة , وكانا قد فرغا من احتماء النبيذ . استمعا الى الموسيقى , وقد خيم عليهما صمت طويل ممتع .

    ثم جاء وقت الكلام , وتفأجات ماريا من كلماتها بالذات :

    - لا اعرف لماذا كانت لدى رغبة المشى فى الوحل .
    - بسبب الالف فرنك .
    - ليس الأمر كذلك .

    بدا تيرنس سعيدى بجوابها .

    - أنا ايضا طرحت على نفسى هذا السوال . كان الماركيز دو ساد يقول أن التجارب الأهم التى يختبرها فى حياته هى تلك التى يبلغ فيها المرء أخر المطاف . وهى التى تعلمنا لأنها تستنفذ منا كامل طاقتنا . ان رب العمل الذى يهين موظفا , او الرجل الذى يهين زوجته , هما على درجة عالية من الجبن , أو يسعيان للأنتقام من الحياة . أن مثل هؤلاء الناس لم يجرؤؤا يوما على النظر الى أعماق أنفسهم .

    لم يسعوا ليعرفوا من أين تأتى الرغبة فى التحرز من الوحش الكامن فى داخلهم , ولا ليدركوا أن الجنس والألم والحب تمثل للأنسان تجارب قصوى . وحده الذى يعرف أقامة الحدود يعرف معنى الحياة . ليست البقية الا مضيعة للوقت وتكرارآ للمسار نفسه , نشيخ ونموت دون أن نعرف ماذا كنا نفعل على هذه البسيطة .


    * * * * *







    من جديد الطريق , من جديد البرد , ومن جديد الرغبة فى المشى .
    كان هذا الرجل مخطئا . ليس ضرورياً أن نعرف شياطيننا لكى نلقى الله .
    صادفت فى طريقها جماعة من التامذة الخارجين من أحدى الحانات . كانت السعادة تخيم عليهم , على الرغم من أثار السُكر البادية على وجوههم الجميلة المفعهمة بالحيوية والنشاط.

    عما قريب سينهون دروسهم , ويبدأ ما يرون أنه " الحياة الحقيقية " العمل , الزواج , الأطفال , الرتابة , المرارة , الشيخوخة , الشعور الهائل بالخسارة , الحرمان , المرض , العجز , التبعية , الوحدة , وأخيرآ الموت .

    لكن , ما بالها ؟ هى ايضا كانت تنشد الطمأنينة لكى تحيا حياتها الحقيقية , والوقت الذى كان قضته فى سويسرا لتمارس مهنة لم تفكر يوما فى اختيارها , كان مرحلة صعبة من تلك المراحل التى يواجهها الجميع عاجلا أم أجلا.

    ذهبت الى " كوباكابانا " وخرجت برفقة الرجال من أجل المال , وأنت أدوار الفتاة البرئية الساذجة أو المرأة المغوية أو الأم المتفهمة , وفقآ لأمزجة الزبائن .

    لم يكن ما فعلته الا جورآ أدته على أعلى درجة من الأحتراف طمعاً بالعلاوة , وعلى أدنى درجة من الاهتمام خشية ان تعتاده .

    قضت تسعة أشهر فى مراقبة العالم من حولها .

    وقبيل عودتها الى ديارها , اكتشفت أنها قادرة على احب دون أن تطلب أى شئ بالمقابل , وعلى العذاب دون سبب .

    كما لو أن القدر رماها فى لجة حياة قذرة , غريبة الأطوار , لكى تكتشف أسرارها المضيئة والمظلمة .




    * * * * *



  2. #8

    افتراضي رد: 11 دقيقة , رواية 11 دقيقة , للكاتب بابلو كويلو

    وهذا ما كتبته ماريا فى يومياتها ليلة لقائها بتيرنس :
    " أستئهد بالماركيز دوساد الذى لم أقرأ له سطر واحد , لكنى سمعت بعض التعليقات التقليدية عن السادية , والتى تقول أننا لا نعرف أنفسنا حقاً الا حين نتجاوز حدودنا بالذات .

    هذا أكيد .
    لكن ذلك الأمر يحتاد الى مراجعة , لانه ليس ضروريا أن نعرف كل شئ عن ذواتنا .

    لم يخلق الكائن البشرى فقط لكى يفتش عن المعرفة , بل لكى يحرث الأرض أيضاً , وينتظر المطر , ويزرع القمح , ويجنى الغلال , ويعجن الخبر .
    فى داخلى أمرأتان , أحداهما تسعى الى بلوغ السعادة والشغف والمغامرات التى يستطيع الوجود أن يوفرها لها , والثانية عبُدة الرتابة والحياة العائلية والأفعال الصغيرة التى يمكن التخطيط لها وتنفيذها .

    انا أحنل فى حنايا جسدى على السواء ربة المنزل والعاهرة , وكل منهما تصارع الأخرى .

    ان لقاء المرأة بذاتها لعبة تنطوى على الكثير من المخاطر . عندما ألتقى بذاتى نصير طاقتين , عالمين يتصادمان . أما اذا كان اللقاء يفتقر الى الأنسجام المتوازن , فانه يتحول الى انفجار مدمر للذات البشرية الواحدة .

    * * * * *



    من جديد صالون رالف هارت والنار فى المدفأة والخمر , وكلاهما جالسان على الأرض . كل ما أحست به ماريا البارحة أثناء لقائها بذاك الأنكليزى , مدير مؤسسة الأسطوانات , كان بمجرد حلم , أو كابوس . وهذا يتعلق بحالتها النفسية .

    كانت تبحث فى هذه اللحظة عن سبب وجودها , أو بالأحرى عن هذه التضحية المجنونة بالنفس التى تمنح من خلالها قلوبنا دون أن نطلب شيئا بالمقابل .

    أينعت ماريا , وهى فى انتظار هذه اللحظة . أكتشفت أخيرا أن الحب الحقيقى لا علاقة له بما نتصوره عادة , اى بسلسلة الأحداث التى تثيرها طاقة الحب , بداية الحب , الألتزام , الزواج , الأطفال , نهاية الأنتظار , الشيخوخة معآ , نهاية الأنتظار , تقاعد الزوج فى حينه , الأمراض والشعور بأن الأوان قد فات وأن الزوجين تخليا عن تحقيق أحلامهما المشتركة , وباتا ينتظران قدرهما المحتوم .

    نظرت ماريا الى الرجل الذى قررت أن تهبه ذاتها دون أن تبوح له بما كانت تشعر تجاه , لانها لم تكتشف الأسلوب الملائم للتعبير عن مشاعرها وانفعالاتها .

    بدا رالف مرتاحآ , وكأنه يعيش فترة ساحرة فى حياته . كان يبتسم وهو يحدث ماريا عن الرحلة التى قام بها مؤخرا الى ميونيخ , ليقابل مدير أحد المتاحف الكبرى .

    - سالنى المدير اذا كانت اللوحة عن وجوه جنيف قد أنجزت . قلت له أنننى تعرفت الى أحد الأشخاص الذين أرغب فى أن أرسمهم , أمرأة مليئة بالضوء ...لكن , لا أريد التحدث عن نفسى . أريد أن أقبلك , أشتهيك , أرغب فيك .

    الرغبة , الرغبة ؟ الرغبة ! أنها النقطة المحورية فى هذه السهرة . وكان هذا امرا تعرفه ماريا تمام المعرفة !

    توقظ الرغبة مثلا حسن لا تستجيب لدواعى الرغبة فى الحال , حين نرجئ هذه الأستجابة .

    - اشتهينى اذن . هذا ما نفعله الأن . انت على بعد متر منى , سعيت الى حانة ليلية وأنفقت ما فيه الكفاية لتحصل على مبتغاك , وتعرف ان لديك الحق أن تلمسنى لكنك لا تجرؤ . أنظر الى . أنظر الى . تخيل أننى لا اريد أن تنظر الى . تخيل ماذا أخفى تحت ملابسى .

    كانت ترتدى فستانا أسود بسيطاً , ولا تفهم السبب الذى يدفع الفتيات الأخريات فى حانة " كوباكابانا " لأن يبذلن كل ما فى وسعهن ليبدون مثيرات من خلال أرتداء الألبسة المثيرة والألوان الغامقة .

    كان الأمر فى نظرها مختلفاً , أن تثير رجلا يعنى أن ترتدى ملابس تبدو فيها مشابها لأى أمرأة يلتقيها فى المكتب أو القطار او عند صديقة زوجته .

    نظر اليها رالف . أحست ماريا أن نظراته تعريها , وراق لها أن يشتيهيها بهذه الطريقة , دون أن يلمسها ,كأنهما فى مطعم أو فى رتل من المنتظرين أمام قاعة السينما .

    قالت ماريا :

    - تخيل أننا فى محطة . أنتظر القطار قربك , وانت لا تعرفنى . لكنى عينى تلتقيان عينيك مصادفة , وأنا لا أشيح بهما عنك , لا تعرف ما احاول قوله لك لانك رغم ذكائك , رغم أنك قادر على رؤية " الضوء " الكامن فى الأخريين , لست حساسا بما فيه الكفاية لترى ما يمكن أن ينجلى عن هذا الضوء .

    لم تنس المسرح . أرادت أن تمحو بأقصى سرعة ممكنة وجه المدير الفنى الأنكليزى , لكنه كان هنا , يرصد تخيلاتها .

    - أنظر اليك فى عينيك مباشرة وأتساءل , هل رأيته من قبل فى مكان ما؟ أو لعلنى شاردة الذهن أو اخشى أن أبدو سمجة . تعرفنى من قبل , لكنى أود أن تتجاهلنى لثوان معدودات , وستكتشف أننا تعارفنا منذ زمن أو هناك سوء فهم يعترى علاقتنا .

    لعلنى ذهبت الى المحطة فقط لأن لدى رغبة هى الأبسط فى العالم , الألتقاء برجل , أو لاننى هاربة من حب يعذبنى , أو أسعى الى الانتقام من خيانى حديثة العهد , وذهبت الى هناك بحثا عن رجل مجهول . لعلنى ذهبت لأننى ارغب فى أن أكون عارهتك لليلة فقط , لأقطع معك رتابة حياتى , ولاننى عاهرة تبحث عن عمل .

    خيم عليها صمت عميق . كانت ماريا تبدو شاردة تستعيد فى ذهنها ذكرى الرجل الأنكليزى فى الفندق , والاهانة . رت فى رأسها كلمات " الأصفر , " الاحمر " , " الألم " وكثير من اللذة . كل ذلك أثر فى روحها بشكل ملحوظ .

    لاحظ رالف شرودها , وحاول أن يعيدها من جديد الى المحطة :

    - فى هذا اللقاء , هل ترغبين فى أنت أيضاً ؟
    - لا أعرف , لا تتكلم , وأنت لا تعرف .

    عادت ماريا الى شرودها قليلا . فى أى حال , ساعدتها فكرة " المسرح " هذه كثيرا , لان الشخصية الحقيقة تظهر جلية , وتغيب كل الشخيات المزيفة التى تسكننا .

    - لا أشيح بنظرى عنك , ولا تعرف ماذا عليك أن تفعل . هل الأقتراب ؟ هل سأصدك ؟ هل سأدعو شرطياً , ام أدعوك لتناول فنجان من القهوة ؟

    قال رالف , وكانت نبرة صوته مختلفة , وكأنهما التقيا فعلا للمرة الأولى :

    - رجعت لتوى من ميونيخ ...

    ثم أضاف :

    - وأنوى أن ارسم سلسلة من اللوحات عن الجنس , عن الأقنعة العديدة التى يختبئ خلفها الناس كلى يتجنبوا القيام بتجربة لقاء حقيقى .

    لابد أنه يعرف " المسرح " . قال ميلان أنه كان هو أيضا " زبوناً غير عادى " . دوت صفارة الخطر , لكن ماريا كانت بحاجة الى الوقت لكى تفكر .

    - قال لى مدير المتحف " علام تعتمد فى أعداد عملك الفنى ؟. وأجبته " على نساء يشعرن بأن لديهن الحرية بأن يمارسن الجنس من اجل المال . فأجاب : ليس هذا ممكنا , فهؤلاء النسوة عاهرات . وأجبته " أجل هن عاهرات واريد أن أعرف ما هى قصتهن . أقوم بأعداد لوحات فنية تنسجم كليآ مع ذوق العائلات التى تتردد الى متحفك .

    المسألة مسألة ثقافة كما تعرف , وتقوم على أن نعرض بشكل ممتع ما يشق علينا تقبله .

    فقال المدير باصرار " لكن الجنس لم يعد محزمآ . فالجنس مسألة مطروحة على الدوام , بحيث يصعب علينا أن نقوم بعمل ذى قيمة عن هذا الموضوع . فأجبته , " هل تعرف من أين تأتى الرغبة الجنسية ؟ " .

    فقال المدير " من الغريزة " .
    فقلت له " أجل , من الغريزة , وجميع الناس يعرفون هذا . لكن كيف بالأمكان أن نقيم عرضآ جميلا وناجحا اذا استندنا فقط الى العلم ؟ أريد فى معرضى أن أصور الطريقة التى نفسر فيها هذا الأنجذاب الجسدى , كما يفعل الفيلسوف مثلا .

    طلب منى المدير أن اعطيه مثلا عن ذلك . قلت له " افرض أننى صعدت فى القطار عائدآ الى المنزل وان أمرأة رمقتنى بنظرة أعجاب . عندئذ سأتحدث اليها وأقول لها اننى لا اعرفها وأننا احرا فى ان نفعل كل ما حلمنا به , وأن يعيش كل منا " فانتا سماته " . ونفترق , من ثم , ويذهب كل منا فى طريقه , أنا الى زوجتى , وهى الى زوجها , ولن يحصل لقاء أخر .

    سألقك اذن فى هذه المحطة ...

    - قصتك مثيرة جدا لأهتمام . لدرجة أنها تلغى كل دوافع الرغبة لدى .

    ضحك رالف موافقا على ما قالته . لم يعد هناك نبيذ , فذهب الى المطبخ ليحضر زجاجةأخرى . نظرت ماريا الى النار , وهى تعرف مسبقاً ماذا ستكون الخطوة المقبلة , مستمتعة بالحفاوة التى تلقاها , ناسية أمر الأنكليزى , ومستسلمة من جديد للحظة التى تحياها .

    سكب رالف كأسين من النبيذ .

    - أريد فقط أن أسالك بدافع الفضول , كيف ستنتهى قصتك مع مدير المتحف ؟
    - أستشهد بفيلسوف أغريقى , لانى سأكون فى حضرة أنسان مثقف . يعتبر أفلاطون أن الرجال والنساء فى بداية الخليقة , كانوا مختلفين عما هو اليوم . كانت هناك فقط كائنات خدئوية ذات جسد وعنق ورأس بوجهين وكل وجه ينظر فى اتجاه مختلف , وكأنهما مخلوقان ملتصقان أحدهما بالآخر . كانت هذه المخلوقات تملك عضوين جنسيين مختلفين وأربع أرجال وأربع أذرع .

    لكن الآلهة الأغريق بدأت تشتغل فى نفوسهم الغيرة حين رأوا أن مخلوقا بأربع أذرع أعظم قدرة على العمل . وأن وجهين متقابلين كانا دائما متيقظين , وأن الآلهة لا يستطيعون بالتالى مهاجمته والقضاء عليه غدرآ , وأن أربعة أرجل لا تلزم صاحبها ببذل الكثير من الجهد فى الوقوف أو المشى الطويل . والأخطر من ذلك كله , أن هذا المخلوق لديه عضوان جنسيان ولا يحتاج الى أحد من أجل التناسل . عندئذ قال زوس وهو الزعيم الأعلى لأولمب , لدىّ خطة لأنتزاع القوة من هذه الكائنات الفانية . فما كان منه الا أن أنزل الصاعقة فانشقت المخلوقات شطرين رجلا وأمرأة . مما جعل نسل الأرض يزداد كثيرآ , لكن هذا الأنشطار بين ذكر وأنثى أضعف ساكنى الأرض , وأثار فيهم البلبلة والضلال . صارا لزاما عليهم أن يبحثوا عن نصفهم المفقود ويعانقوه من جديد ليستعيدوا بهذا العناق قوتهم السابقة ومهاراتهم المفقودة , ليصبحوا أقدر على مواجهة المتاعب والمشقات وأتقاء سهام الغادرين . هذا العناق الذى يستطيع من خلاله الجسدان أن يجتمعا من جديد لكى يصير واحدآ , هو ما ندعوه الجنس .

    - هل هذه القصة حقيقة ؟
    - أجل , بحسب أفلاطون .

    نظرت اليه ماريا مسحورة , وامحت من ذهنها تجربة البارحة نهائيا , فتنت به عندما كان يروى هذه القصة الغريبة بحماس وبعينين تلتمعان ليس فقط رغبة بل فرحاً . رأت أمامها رجلا يشع وجهه بذاك الضوء الذى كان قد استشفه فيها .

    - هل أستطيع أن أطلب منك أيضاحاً ؟

    أجابها رالف أنها تستطيع ان تستوضح عما يشاء .

    - لماذا , عندما شقت الآلهة هذه المخلوقات ذات الأرجل الأربع شطرين , أعتبر البعض أن العناق ليس الا أمرآ كالأمور الأخرى , وانه بدلا من ان يزيد طاقة البشر , فانه ينتزعها , هل بامكانك أن تقول لى السبب ؟

    - أتقصدين الكلام عن الدعارة ؟
    - هذا بالضبط ما قصدته . هل تستطيع أن تقول لى متى لم يعد الجنس مقدساً .
    - سأحاول معرفة ذلك أن شئت . لم أفكر فىالموضوع من قبل , وأعتقد أن أحدآ لم يفكر فيه .

    سألت ماريا بألحاح بالغ :

    - هل فكرت مرة أن النساء العاهرات قادرات على الحب ؟
    - نعم . فكرت فى الأمر عندما كنا جالسين أمام الطاولة فى المقهى , فرأيت ذاك الضوء المنبعث من وجهك . وحين دعوتك الى شرب كأس , اخترت أن أصدق كل شئ , بما فيه أمكانية أن تعيدينى الى العالم الذى فارقته منذ وقت طويل .

    أحس أن العودة الى الوراء باتت متعذرة . انها العشيقة , وعليها أن تهرع للنجدة حالا , فتقبله وتضمه بين ذراعيها , وترجوه ألا يذهب .

    لكنها قالت :

    - لنعد الى قصة المحطة أو بالأحرى لنعد الى اليوم الذى جئنا فيه للمرة الأولى الى هذا الصالون , حين أعترفت بوجودى وقدمت لى هدية . كانت هذه محاولتك الأولى لدخول كيانى , ولم تكن تعرف المكانة التى تحتلها فى نفسى . لكن , وكما تروى قصتك , فان الكائنات البشرية مشطورة نصفين , وهى تسعى دومآ خلف العناق الذى يجمعها . هذه غريزتنا , لكن هذا أيضاً السبب الذى نحتمل لأجله كل الصعوبات التى تعترض طريقنا خلال هذا السعى .

    وأردفت ماريا قائلة :

    - أريد أن تنظر الى , واريد فى الوقت نفسه ألا تجعلنى ألاحظ ذلك . الرغبة الأولى مهمة لأنها محتجبة ومحزمة ولا تدخل فى الحسبان . لا تعرف ان كنت موجودآ أمام نصفك المفقود , ولا هو أيضا يعرف ذلك . لكن شيئا ما يجذب أحدكما الى الأخر ويجب الاعتراف به .

    ثم قالت ماريا فى نفسها , من أين أتى بكل هذه الأفكار ؟ امن أعماق قلبى , لا،نى رغبت دومآ فى أن يكون الأمر كذلك ؟ أم من أحلامى , من حلمى بالذات كامرأة ؟

    أخفضت قليلا حمالة فستانها لكى تكشف عن جزء , جزء صغير من أحد نهديها , الرغبة ليست ما تراه بل ما تتخيله " .

    رأى رالف أمامه امرأة سمراء ترتدى فستانا غامق اللون كشعرها , جالسة على أرض الصالون , مفعمة بالرغبات الغريبة , كالرغبة مثلا التى حدته الى اشعال النار فى المدفأة صيفا . أجل , أراد أن يتخيل ما يخفيه هذا الثوب , أن يتخيل حجم نهديها . كان يعرف أن الصدارة التى ترتديها ليست ضرورية , لكنها من مستلزمات المهنة . لم يكن نهداها كبيرين ولا صغيرين , بل كان فتيين , ونظرتها لم تكن لتبوح بشئ . ماذا كانت تفعل هنا ؟ لماذا يقيم هذه العلاقة الخطرة الغريبة ما دام لا يجد أى صعوبة فى العثور على المرأة التى يشتهيها ؟

    كان ثريا وفتياً وشهيراً وحسن المظهر وشغوفا بعمله . أحب المراتين اللتين تزوج بهما وأحبناه . كان لديه كل ما يمكن لأنسان أن يتمناه . كان حريا به أن يهتف عالياً ويقول " كم أنا سعيد " .

    لكنه لم يكن سعيداً . رأى من حوله الكثير من الناس يتهافتون من أجل كسرة خبز وسقف ووظيفة تسمح لهم بالعيش الكريم , فيما هو يملك كل شئ , وهذا يزيده تعاسة . ألا أنه , من فترة ليست بعيدة , استيقظ لمرتين أو ثلاثة أو ثلاث ونظر الى الشمس , أو الى المطر , وشعر أنه سعيد , فقط لكونه حيآ يرزق , سعيد بكل بساطة , دون أن يطلب شيئا بالمقابل . ما خلا هذه الأيام النادرة , فقط استهلك نفسه فى الأحلام والحرمان والعمل والرغبة فى تخطى الذات والأسفار , أكثر مما يقوى على احتماله . كان متأكدآ من انه قضى حياته وهو يحاول اثبات شئ ما , لمن تحديدآ ؟ وما هو هذا الشئ ؟ لا يعرف .

    ظل ينظر الى المرأة الجميلة الواقفة أمامه , والتى ترتدى الأسود الخفر , المرأة التى التقاها مصادفة مع أنه رآها من قبل فى حانة ليلية , فأدرك أنها صعبة المراس . كانت تسأله أن كان يرغب فيها , وهو يرغب فيها كثيرآ , اكثر مما تستطيع أن تتصور . لكنه لا يرغب فى نهديها أو جسدها , بل فى رفقتها . كان يكفيه أن يضمها بين ذراعيه , وهو يتأمل النار بصمت , او يشرب النبيذ , او يدخن سيجارة او اثنتين .

    هذه الحياة سلسلة من الأمور البسيطة , وقد تعب من كل هذه السنوات التى سلخها وهو يبحث عن شئ لا يعرف كنهه .
    بيد أنه , أن لمسها ضاع كل شئ . رغم " الضوء" المنبعث منها , لم يكن متأكدآ من رغبتها الفعلية فى قربه . هل عليه أن يدفع لها , أن يشترى رغبتها ؟ اجل , وسيستمر فى الانفاق عليها الى أن يتمكن من غزو قلبها والجلوس معها على حافة البحيرة والكلام عن الحب , الى ان يسمع منها الشئ نفسه بالمقابل .

    الأفضل اذن عدم المجازفة , وعدم استعجال الأمور , والصمت .

    توقف رالف هارت عن تعذيب نفسه , وعاد ليركز من جديد على اللعبة التى اخترعاها لتوهما . كانت المرأة الجالسة فى مواجهته على صواب . النبيذ والنار والسيجارة والرفقة لا تكفى , وينبغى البحث عن نوع أخر من النشوة , عن نار أخرى .

    كانت ترتدى فستانا بحمالات , وتكشف عن أحد نهديها . باستطاعته ان يرى بشرتها التى تميل الى السمرة اكثر منها الى البياض , وشعر أنه يشتهيها كثيراً .

    لاحظت ماريا بريقا ينبعث من عينى رالف . تعرف انها مرغوبة , وهذا اثارها أكثر من اى شئ أخر . لا علاقة لما يحدث بالوصفات التقليدية عن الحب " اريد أن أمارس الحب معك , اريد أن أتزوج , أن نصل الى النشوة , أن أنجب طفلا , أريد التزامات تجاهى . لا , لم يكن الامر كذلك . كانت الرغبة شعورآ حرآ , أهتزازا فى الفضاء , ارادة تغنى الحياة . وهذه الأرادة بامكانها أن تقلب الجبال وتجعل ماريا تمضى قدما و ....تجعل عضوها رطبا .

    كانت الرغبة مصدر كل شئ , منذ غادرت أرض بلادها لتكتشف عالما جديدآ . وتتعلم اللغة الفرنسية , وتتخطى أحكامها المسبقة لتكتشف عالما جديدآ . وتحلم بأنشاء مزرعة , وتقع فى الغرام دون ان تطلب شيئا بالمقابل . وتتمراى فى عينى رجل , فترى أنعكاس ذاتها الحقيقية . أخفضت الحمالة الأخرى لفستانخا ببطء مدروس , ثم أنزلت الفستان عن جسدها . خلعت صدارتها , ولبثت مكانها عارية الصدر تتحرق شوقاً لأن يرتمى فوقها ويضم صدره الى صدرها . ويتعهد لها بالحب الأيدى . تساءلت , هل كان حساساً بما يكفى لكى يستلم للرغبة بذاتها , وهى لذة الجنس الحقيقة ؟

    هدأت الضجة من حولها . اختفت المدفأة ومعها اللوحات والكتب لم يعد هناك الا الرعدة التى لا مكانفيها الا لدواعى اللذة التى تلغى كل ما عداها .

    لم يحرك الرجل ساكناً . فى البداية , قرأت شيئا من الخجل الى عينيه , لكن هذا لم يدم طويلا . كان ينظر اليها ويمرر لسانه فوق جسدها ويتداخلان ويندى جسدهما عرقاً , ويتبادلان القبل , ويمزجان الحنان ويصرخان ويتأوهان حتى يبلغا معآ مرحلة النشوة ...

    كل هذا حصل فى خياله .فى الواقع , كانا صامتين لا يحركان ساكناً . وهذا السكون زاد من أثارة ماريا , لأنه أتاح لها الحرية فى أن تتخيل ما تشاء . طلبت اليه أن يلمسها برفق , ثم أفرجت ساقيها , واستمنت أمامه , وهى تتلفظ , دون تمييز , بكلمات رقيقة ومبتذلة . بلغت مرحلة النشوة عدة مرات , وكادت توقظ الجيران بصرخاتها , لا بل ودت لو أقلقت بال العالم , وتركته فى حالة أستنفار .

    أمامها الرجل الذى تحلم به , الذى يمنحها اللذة والفرح , الذى تستطيع معه أن تكون نفسها , فتعترف له بمشكلاتها مع جسدها , وتقول له كم تود لو تبقى معه طولال الليل والأسبوع و ...الحياة .

    بدأ العرق يتصبب من جبينبهما. كان ذلك بسبب النار المشتعلة فى المدفأة . هذا ما فكر به كلاهما فى الوقت نفسه , دون أن يتفوها به . كانا يشعران أنهما يذهبان بعيدآ متجاوزين الحدود , مطلقين العنان لخياليهما . ويعيشان معآ لحظات أبدية من الهناء .

    لكن , ينبغى لهما أن يتوقفا , لأن خطوة واحدة الى الأمام تفقدهما كل شئ , وتعيدهما الى نقطة البداية , ويختفى معها كل هذا السحر فى مواجهة الواقع الأليم .

    وببطء شديد أيضاً , لأن النهاية هى دوما أصعب من البداية , أرتدت صدارتها وغطت نهديها . عاد العالم الى مكانه , وعادت الخيالات المبهمة من حولها الى الظهور من جديد . ارتدت فستانها , ثم ابتسمت ولامست وجهه بعذوبة . أخذها من ذراعها . ثم جذبها ناحيته , وضمها الى صدره لتبقى رهينة بين ذراعيه .

    رغبت فى ان تقول له أنها تحبه . لكنها لم تفعل , لأن هذا قادر على افساد كل شئ , وعلى أخافة الرجل الذى تحبه . كما خشيت عليه من أن يقول لها أنه يحبها هو أيضاً . لم تكن ماريا تريد ذلك , ان حريةحبها تتمثل فى ألا تطلب شيئا من حبيبها , وألا تحفل بما ينتظرها .

    قالت :

    - من يقدر على الأصغاء الى مشاعره بأذان مرهفة . يعرف أنه فى مقدورنا بلوغ النشوة دون أن يلمس أحدنا الأخر . ذلك أن الكلمات والنظرات تحوى فى جناياها كل أسرار الرقصة . لكن القطار وصل , وكل يذهب فى طريقه . كنت أمل أن ارافقك فى هذه الرحلة حتى...حتى أى مكان ؟

    - أجاب رالف : حتى الرجوع من جنيف .
    - من يتملى الأنسان الذى طالما حلم به , يعرف أن الطاقة الجنسية الكامنة فى ذاته سابقة على الممارسة الجنسية . اللذة الكبرى ليست فى الجنس , بلفى الشغف الذى تمارس به الجنس .

    وعندما يبلغ هذا الشغف عمق الذات البشرية , تأتى الممارسة الجنسية بمثابة الستار الذى يسدل على الرقصو , ولا يمكن ان يكون عنصرى من عناصرها الأساسية .

    - تتكلمين عن الحب كمحترفة .

    أرادت ماريا أن تتحدث عن الحب , لا، هذا الحديث كان وسيلتها فى الدفاع عن نفسها وتسليم نفسها فى ان , دون أن تشعر بالحرج .

    - يمارس العاشق الحب طوال الوقت , حتى عندما لا يمارسه .

    وحين تتلاقى الأجساد فهذا يعنى أ، الشراب قد بلغ حافة الكأس بأمكانهما أن يبقيا معا لساعات ولأيام طويلة . بأمكانهما أن يبدأ الرقصة اليوم وينهياها غدآ , أو يستمر فيها مستسلمين للذة لا تنتهى . لا علاقة لذلك بالأحدى عشرة دقيقة .

    - ماذا ؟
    - أحبك .
    - انا آيضا أحبك .
    - أعذرنى , لم أعد أعرف ماذا اقول .
    - ولا أنا أيضا .

    نهضت , طبعت على خده قبلة وخرجت .

    * * * * *
    وهذا ما دونته مارا فى يومياتها صباح اليوم التالى :

    " البارحة مساء , عندما نظر الى رالف هارت , شعرت انه شرع فى داخلى بابآ وتسلل كالسارق . لكنه حين رحل , لم يأخذ شيئا . بل على العكس , ترك وراءه عطرا كالورد , لم يكن سارقا , بل خطيبا كان يزورنى ...

    يسعى كل كائن بشرى الى تحقيق رغبته الدفينة , وهذا يشكل جزءا من الكنز المختبى داخل نفسه . قد يكون الأنفعال الذى تثيره الرغبة منفرآ للأخر , وقد يقربنا من الكائن المحبوب :

    هذا الأنفعال الذى هز كيانى واستجاب لحاجتى النفسية , وهو جامح بحيث يستطيع أن يعطر الأجواء المحيطة بى .

    كل يوم اسعى لأكتشاف الحقيقة التى أريد أن أحياها , أحاول أن أكون عملية , فعالة , محترفة . لكن أود لو أتمكن من أن أتخذ الرغبة رفيقتى الدائمة . بيد أننى لست ملزمة بالعسى لأخفف من وطأة الوحدة التى أعيشها , بل لأن الرغبة حلوة . أجل , حلوة جدآ .



    * * * * *



    هناك 38 أمرأة يعملن بانتظام فى حانة " كوباكابانا " ( بأستثناء الفيليبينية نيا , لم تكن لماريا صديقة بينهن ) . كان المعدل الوسطى لعملهن فى الحانة يراوح بين ستة أشهر كحد أدنى وثلاث سنوات كحد أقصى . كن يغادرن العمل أما لانهن تلقين عرضاً سريعا بالزواج , أو دعوة ليصبحن عشيقات مكرسات لاحد الزبائن , واما لأنهن ما غدن يثرن أهتمام الزبائن . عندئذ كان ميلان يطلب أليهن بلطف أن يبحثن عن مكان أخر يعملن فيه .

    من الاهمية بمكان أن تحترم كل واحدة منهن الأخرى , وألا يعمدن الى أغواء الزبائن الذين اعتادوا معاشرة فتاة محددة . ليس لأن قلة الأحترام هذه غير مستحبة , بل لأن الأمور يمكن أن تتخذ منحى خطيرا . فى الأسبوع السابق , أخرجت فتاة كولومبية من محفظة يدها شفرة حلاقة ووضعتها فوق الكأس التى كانت تتناولها فتاة يوغلاسفية , ثم حذرتها بصوت هادئ , انها ستعمد الى تشطيب وجهها بشفرة الحلاقة ان هى استمرت فى قبولها دعوة أحد مديرى المصارف , وهو زبون دائم عندها . أجابتها اليوغوسلافية أن الرجل حر , وانه أختارها , ولا يمكنها بالتالى أن ترفض .

    هذا المساء , دخل الرجل المذكور . القى التحية على الكولومبية , ثم اتجه الى الطاولة حيث تجلس الفتاة الأخرى . تناولا المشروب ورقصا . ( كانت ماريا تراقبهما وترى أن اليوغسلافية تستفز بشكل واضح زميلاتها .كانت نظرتها الخاطفة تقول " هل رأيت , لم يخترك أنت , بل اخترانى أنا " .

    لكن هذه النظرة الخاطفة كانت تعنى أيضا أشياء كثيرة مبطنة اختارنى لأننى أجمل منك , ولأننى ذهبت معه الأسبوع الماضى وأعجبته مضاجعته لى , ولا،نى أكثر فتوة منك . لاذت الكولومبية بالصمت . وعندما رجعت الفتاة الصربية بعد ساعتين , جلست الكولومبية قربها , ثم أخرجت شفرة الحلاقة وشطبت بها وجهها عند الأذن , لكى تترك جرحاً يذكرها بهذه الليلة . فلا تعيد الكرة . اشتبكت الفتاتان وسالت الدماء وخرج الزبائن مذعورين .

    عندما وصلت الشرطة , أعلنت اليوغوسلافية ان وجهها شطب مصادفة , اذ سقط قدح زجاجى من أحد الرفوف وأصابها ( ليست هناك رفوف فى كوباكابانا ) كانت هذه قاعدة الصمت التى يتوجب اتباعها فى الحانة , وهذه القاعدة تسميها العاهرات الأيطاليات " أوميرتا " . اذ ان كل المشاكل , ابتدا بتلك الناتجة عن غيرة وانتهاء بحوداث الموت , يبث بشأنها , وتجد حلولا لها فى شارع برن , لكن دون تدخل السلطة القضائية , لأن شارع برن يمتلك قانونه الخاص به .

    كان رجال الشرطة يعرفون " الأوميرتا " ويعرفون أن المرأة كانت تكذب , لكنهم لم يصروا على المضى فى التحقيق , لان هذا سيجعل المكلف السويسرى مسؤؤلا عن الأعباء المالية الباهظة التى يستوجبها التوقيف والمحاكمة . وجه اليهم ميلان شكره بالنظر الى سرعة تدخلهم , قائلا " ان كل ما حصل مجرد سوء فهم أو مؤامرة يدبرها أحد المنافسين له " .

    عندما خرج رجال الشرطة , طلب ميلان الى الفتاتين مغادرة المكان وعدم الرجوع للعمل فى حانته . قال لهما ان " كوباكابانا " مؤسسة عائلية فى اخر الأمر ( وهذا تعريف لم تستطع ماريا فهم معناه ) . وانه كان حريصا كل الحرص على سمعته وعلى الدفاع عنها ( وهذا يحيرها أيضا ) . لا وجود اذن لخصومات أو مشاجرات , فالقاعدة الأولى هى احترام الزبون , والقاعدة الثانية هى التكتم المطلق ( تمثلا بقانون سرية المصارف فى سويسرا ) , لا سيما وأنه يمكن الوثوق بالزبائن الذين ينتقيهم ميلان بعناية , كما يتم اختيار زبائن المصرف ليس فقط تبعاً لحسابهم الجارى , بل أيضا لأخلاقهم الحسنة وعاداتهم المستقيمة .
    على الرغم من براعة ميلان فى اختيار زبائنه , فان الأمر لا يخلو أحيانا من التباس فى المواقف أو سؤء الفهم . كذلك قد يرفض أحيانا أحد الزبائن تستعيد ما يتوجب عليه أو قد يوجه تهديدآ لأحدى الفتيات أو يعتدى عليها . منذ أن أنشأ ميلان " كوباكابانا " وهو يختار زبائنه وفقآ لمعايير خاصة به , ويشق على الفتيات تحديدها أو معرفتها . كن يلاحظن أن ميلان كان يبدو مجافيا لكثير من الرجال الأنيقين ويحاول أبعادهم عن الحانة بعبارات شتى , فيما يستقبل بحرارة زبائن غير خليقين , ويرتدون بذلات رياضية , ويدعوهم الى تناول كأس من الشمبانيا .

    لم يكن صاحب " الكوباكابانا " ليحكم على الناس من خلال المظاهر , وهذا كان يجنبه الوقوع فى أخطاء كثيرة .

    لابد من كل علاقة تجارية ناجحة أن تبنى على رضى الطرفين . كانت أكثرية الزبائن الذين يأتون الى الحانة متزوجين أو يشغلون وظائف مهمة فى الشركات . وكانت بعض النسوة اللواتى يعملن هناك متزوجات ولديهن أطفال , ويشاركن فى حضور أجتماعات مجالس الأهالى فى المدرسة , وهن واثقات أن عملهن لا يورطهن بشئ على الصعيد الأجتماعى , لأن رب العائلة الذى يتردد الى الحانة سيكون هو أيضا متورطا ومجبرا على لزوم جانب الصمت .
    وهذا أيضاً وجه أخر لنظام " الأوميرتا " الذى يعمل به هناك .

    أما العلاقة بين الفتيات , فكانت تقتصر على الزمالة فقط دون الصداقة , فلا تستفيض أحداهن فى الكلام عن حياتها الشخصية . وخلال الأحاديث القليلة التى أجرتها ماريا مع زميلاتها , اكتشفت انهن لم يعانين من أى شعوربالمرارة او النب أو الحزن , بل يعانين فقط من الخضوع والأستسلام . لكنها كانت تلمح فى أعينهن نظرة تحد غريبة وكانهن كن فخورات بأنفسهن , ويواجهن العالم بأستقلالية وثقة .

    ما ان تقضى الوافدة الجديدة أسبوعا فى " كوباكابانا " حتى تعد محترفة وتتلقى التعليمات التى يجب عليها اتباعها , وهى : احترام العلاقات الزوجية ( لا يمكن للعاهرة أن تشكل تهديداً لاستقرار الأسرة ) , عدم الموافقة على المواعيد خارج دوام العمل , الأصغاء الى اعترافات الزبائن دون أن تتدخل فيما لا يعنيها , التأوه لحظة بلوغ الرجال النشوة , القاء التحية على رجال الشرطة فى الشارع , حيازة بطاقة عمل كاملة , اجراء فحوص طبية منظمة , وأخيرا عدم الخوض فى النواحى الأخلاقية أو القانونية للمهنة . لقد اختارت العاهرات طريقهن بأنفسهن , ونقطة على السطر .

    قبل أن يزدحم المكان بالزبائن وتبلغ أجواء السهرة مداها , كانت ماريا تشاهد دوما وفى يدها كتاب تقرأه . باتت معروفة بصفتها " مثقفة " الفريق . فى البداية , رغبت الفتيات فى أن يعرفن نوعية الكتب التى تقرأها . لكن , بما أن هذه الكتب لا تروى قصص حب , بل تتناول فقط موضوعات جادة وغير مهمة لهن , كالاقتصاد وعلم النفس وأدراة المزارع , آثرت الفتيات أن يتركنها بسلام , تتابع أبحاثها وتدون ملاحظاتها .

    كان لدى ماريا الكثير من الزبائن الدائمين , وكانت تذهب الى " كوباكابانا " كل يوم حتى فى الأمسيات التى تكون فيها الحركة الخفيفة . لذا , اكتسبت ثقة ميلان , وأثارت غيرة رفيقاتها اللواتى أخذن يشيعن فيما بينهن أن هذه البرازيلية طموحة ومذعية ولا هم لها الا كسب المال . فى أى حال , لم يكن مخطئات بخصوص النقطة الاخيرة . ومع ذلك , رغبت ماريا فى أن تسألهن أولا ينسحب الأمر عليهن أيضا ؟ الا يعملن هنا للهدف نفسه ؟

    لكن الثرثرة لا تقتل , بل هى ضريبة النجاح . ومن الأفضل لماريا أن تتجاهلهن وتنحصر اهتمامها فى هدفين , العودة الى البرازيل فى الوقت المحدد , وانشاء مزرعة .

    كان رالف هارت يشغل أيضاً تفكيرها من الصباح حتى المساء . أحست لأول مرة فى حياتها أنها قادرة على الأستمتاع بغياب الحبيب . لكنها كانت نادمة قليلا , لأنها أفصحت له عن مشاعرها فى المرة السابقة , وقالت له انها تحبه . وفى هذا أظهرت تهورا لأنها تجازف بأن تخسر كل شئ . لكن ما الذى ستخسره ما دامت لا تطلب شيئا بالمقابل ؟ تذكرت خفقان قلبها وانفعالها العارم عندما أشار ميلان الى رالف على أنه " زبون غير عادى " . شعرت عندئذ بالغيرة وبأنها خدعت فى الصميم .

    صحيح أن الحياة علمت ماريا أن من غير المجدى الأعتقاد بأنه فى الامكان أمتلاك الأخر , ويخدع نفسه من يعتقد ذلك . لكن الغيرة أمر طبيعى . ومهما أسترسلنا فى قراءة النظريات التى تدحض الغيرة أو تقول بأنها دليل هشاشة وضعف , فأننا لا نستطيع أبدا التوصل الى لجم هذا الشعور او التغلب عليه .


    الحب الأكبر هو الحب القادر على أظهار هشاشته وضعفه . فى أى حال , اذا كان حبها حقيقيآ ( وليس فقط وسيلة للتسلية وخداع النفس وتزجية الوقت الذى يتمطى الى ما لا نهاية فى هذه المدينة ) , فان الحرية ستتغلب فى النهاية على الغيرة والألم الذى تسببه هذه الغيرة . ذلك أن الألم يشكل عنصرآ من عناصر الحياة . ومن يزاول الرياضة يعرف ذلك جيداً , لانه , اذا أراد بلوغ اهدافه , فيجب عليه أن يكون مستعدا لتحمل جرعة يومية من الألم والشعور بالضيق .

    فالأنزعاج الذى يحسه فى البداية وتثبيط العزيمة ليسا الا مرحلة مؤقتة , ليحصل فيما بعد على الرضى والراحة , ويصبح الألم جزءا لا يتجزأ من مساء تطوره , لأن الرياضى , من دون الألم , لا يشعر أن التمرين قد أعطى النتيجة المرجوة .


    لكن الخطورة تكمن فى التوقف عند الألم دون غيره وأبداء الخشية منه وأطلاق التسميات المختلفة عليه . وقد تحرزت ماريا , ولله الحمد من هذه الهواجس . ومع ذلك , لا تزال التساؤلات المزعجة تقض مضجعها . ترى أين هو رالف ؟ لماذا لا يأتى لأصطحابى ؟ هل وجدنى غبية عندما تخيلت قصة المحطة ؟ هل خسرته الى الأبد , لأنى اعترفت له بحبى ؟ لكنها أرادت الا تتحول هذه المشاعر الجميلة الى عذاب , فابتدعت وسيلة للتجنب ذلك . حين تستعيد ذكرى علاقتها الأيجابية برالف , النار فى المدفأة والنبيذ , والتحدث اليه , والرغبة اللذيذة التى تعتريها لمجرد التفكير فى موعد رجوعه , كان يتضاءل فى عينيها ما تفعله , وتبتسم لللسماء , وتشكرها على أنها حية ترزق , وانها لا تنتظر شيئا من الرجل الذى تحبه .


    وحين كانت أفكارها تعذبها وتخشى أن تفتقده وتستاء من البلاهات التى تفوهت بها عندما كانا معآ , كانت تقول لنفسها " ما بالك ؟ هل تريدين التفكير بذلك ؟ حسنا , كما تريدين , نزولا عند رغبتك . أما أنا فسأكرس وقتى لأمور أهم " . عندئذ تقرر أن تواصل القراءة , أو تتجول فى الشارع , وهى تولى انتباها لكل ما يحيط بها , الألوان , الناس , الأصوات , بخاصة الأصوات , وقع الأقدام , ضجيج السيارات , حفيف الصفحات وهى تقلبها , شذرات الأحاديث . وعندئذ تمحى الافكار السلبية من ذهنها . واذا ما عادت الى الظهور , تعيد ماريا ما فعلته الى أن تبتعد الذكريات المعذبة, بلطف ولوقت طويل .

    كان يعذبها مثلا أن تتخيل أنها لن ترى رالف مجددآ . لكن ماريا أستطاعت , بقليل من التمرس وكثير من الصير , أن تحول هذه الفكرة وتجعلها " أيجابية " ! حين نرحل , سيكون لجنيف وجه , وجه هذا الرجل بشعره الطويل وتسريحته القديمة , بابتسامته الطفولية وصوته الثخين . واذا سألها أحد , بعد سنوات لاحقة , عن المكان الذى تعرفت اليه فى شبابها , فسوف تجيب " جميل وقادر على أن يحب ويكون محبوباً " .



    * * * * *














    وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها ذات يوم كانت فيه الحركة خفيفة فى الحانة :

    عاشرت الكثير الكثير من الناس الذين يأتون الى هنا وخلصت الى التنيجة التالية , وهى أن الجنس يصير كأى نوع من انواع المخدرات , وسيلة للهروب من الواقع ونسيان المصاعب والاسترخاء . لكن الجنس , شأنه شأن المخدرات كلها , ممارسة مؤذية ومدمرة .

    اذا رغب فى أن يصير مدمنا سواء من خلال الجنس أم من خلال أى وسيلة أخرى , فهو حر , لأن عواقب افعاله ستكون مرتبطة بالخيارات التى سيتخذها . لكن اذا رغب أحد فى أن يسير دما فى الحياة ويرتقى , فعليه أن يدرك الفرق بين ما هو جيد , وما هو أفضل .

    الجنس , بخلاف ما يظن الزبائن الذين عائرتهم , لا يمكن ممارسته فى أى وقت . يوجد فى كل منا منبه داخلى , وحين يريد شخصان أن يمارسا الحب , فمن الضرورى أن تشير عقاربهما الى الساعة نفسها فى الوقت نفسه . وهذا لا يحدث كل يوم , لأن من يحب لا يشعر أن الحال ستؤدى به الى الفعل الجنسى , وأن من دونه لا يمكن أن تستقيم احوالنا .

    أن الشخصين المتحابي يجب عليهما أن ينظما عقارب الساعة بصبر وثبات من خلال أطلاق العنان لخيالهما فى استنباط التسليات الطريفة وابتكار التمثيليات الصغيرة التى من شأنها أن تؤجج الرغبة . وعليهما أيضا ان يفهما أن الجنس هو اكثر من لقاء . أنه اتحاد جسدى عن طريق الأعضاء التناسلية .

    وهكذا يرتدى كل شئ طابع الأهمية . ان الكائن الذى يعيش حبه بشغف يشعر أنه كمن يبلغ النشوة الجنسية طوال الوقت ولا ينقصه الجنس . اذا حدث وأقام اتصالا جنسياً , فهذا لأن هناك فيضا داخله , لأن الأناء أمتلاوبات يفيض بما فيه , ولأنه يتقبل نداء الحياة . لأنه فى هذه اللحظة , هذه اللحظة بالذات , لم يعد قادرآ على احتواء هذا الفيض .


    * * * * *

















    بعدما فرغت ماريا من كتابة هذه الكلمات بوقت قصير , توجهت الى الحانة . وفيما كانت تتهيأ لقضاء سهرة جديدة تؤدى فيها دور " الأم الحنون " أو " الفتاة الصغيرة الساذجة " فَتح باب " كوباكابانا " ودخل تيرنس .

    بدأ ميلان خلف البار مرتاحآ , لم تخيبه الفتاة فى المرة السابقة اذن . حين رأت ماريا تيرنس تذكرت حالا هذه الكلمات التى تعنى الكثير والتى بقى معناها بالنسبة اليها غامضاً , " الألم " العذاب والكثير من اللذة .

    - اتيت من لندن خصيصاً لرؤيتك . فكرت فيك كثيرآ .

    ابتسمت محاولة ألا تكون ابتسامتها مشجعة . هذه المرة أيضا , لم يكن وفيآ للطقوس , ولم يدغها لتناول كأس ولا للرقص , بل جلس بكل بساطة .

    - عندما يحث الأستاذ تلميذه على اكتشاف أمر ما , يجد أنه يشارك التلميذ آيضا فى هذا الأكتشاف .

    أجابت ماريا :

    - أعرف ماذا تقصد .

    كانت ماريا تفكر فى رالف وتشعر أن التفكير فيه يغيظها , فيما هى تواجه أحد الزبائن , وينبغى لها أحترامه وفعل كل ما بوسعها لأرضائه .

    - هل تريدين الذهاب أبعد من المرة السابقة ؟

    فكرت ماريا , ألف فرنك , عالم مستتر يدعوها لأكتشافه , صاحب الحانة ينظر اليها , تستطيع التوقف فى عملها ساعة تشاء , التاريخ المحدد للعودة الى البرازيل , رجل فى حياتها ولا يعلن عن مبادرة نحوها ...

    سالت ماريا :

    - هل أنت على عجلة من أمرك ؟

    أجاب نفسا . لكن ماذا تريد هذه الفتاة ؟
    - اريد أن أشرب كوب العصير , وأنهى رقصتى, وأبدى احتراما لطقوس مهنتى . بدا مترددا قليلا . لكن أن يهيمن الأنسان أو أن يهيمن عليه , الا يشكلان كلاهما جزءا من التمثيلية ؟ سدد تيرنس الحساب , رقصا ثم نادى سائق تاكسى . أنقذها الألف فرنك , وهما يجتازان المدينة . نزلا فى الفندق نفسه كما فى المرة السابقة , وحيا تيرنس الحارس الأيطالى , كما فى ذلك حين تعارفا , ثم دخلا الغرفة نفسها التى تطل على النهر .

    أشعل تيرنس عود ثقاب ,وعندئذ لاحظت ماريا أن شموعا لا تحصى تملأ الغرفة .

    قال تيرنس , وهو يضئ الشموع :

    - ماذا تريدين أن تعرفى ؟ لماذا أنا هكذا ؟ لماذا , أن لم أكن مخطئا , أعجبتك السهرة التى قضيناها معآ حتى الجنون ؟ هل تريدين أن تعرفى لماذا أنت أيضا هكذا ؟

    - هناك عادة شائعة فى البرازيل تقول بأنه لا ينبغى أضاءة أكثر من ثلاث شمعات بعود الثقاب نفسه . أنت لا تعمل بحسب هذه العادة .

    تجاهل تيرنس الملاحظة .

    - أنت مثلى . لا تأتين الى هنا من أجل الألف فرنك بل لأن لديك شعورا بالذنب مثلى وبالتبعية وفقدان الثقة بالنفس , ولأن لديك عقدآ كثيرة . وهذا ليس سيئا ولا جيدآ , هذه هى الطبيعة البشرية .

    أمسك بيده ألة التحكم عن بعد , وأدار جهاز التلفزيون وبذل بضع محطات ثم توقف عند محطة تبث نشرة أخبار وتعرض صورآ لبعض اللأجئين الهاربين .

    - هل ترين هذه الصور ؟ هل سبق لك أن رأيت البرامج التى يعرض فيها الناس مشكلاتهم الشخصية أمام الجميع ؟ هل ذهبت مرة الى كشك الصحف وقرأت العناوين الكبرى ؟ الجميع يغتبطون لمشاهد الألم والعذاب . ننظر اليها بروح السادية . نحن مازوشيوس فقط عندما نستنتج أننا لا نحتاج الى معرفة كل هذا الألم لتكون سعداء . ومع ذلك , نشاهد مأساة غيرنا بتلذذ , واحيانا نتعذب أثر ذلك .


    سكب كأسين من الشمبانيا . أطفا جهاز التلفزيون , واستأنف اضاءة الشموع دون أن يحفل بالمعتقد الذى حدثته عنه ماريا .

    - أعود وأكرر , انه الشرط الأنسانى , مد أن طردنا من الجنة , تتآلم أو نجعل الأخرين يتألمون . نراقب عذاب الأخرين ولا نستطيع أن نفعل شيئا .

    سمعا الرعود تقصف . يبدو أن هناك عاصفة هوجاء تقترب .

    قالت ماريا :

    - لا أقوى على أحتمال ذلك . يبدو لى مضحكآ ان أفكر أنك سيدى وأننى عبدتك . لا نحتاج لأى مسرج لنعرف معنى العذاب . فالحياة نفسها تمنحنا فرصا لا تحصى للتعرف اليه .

    أضيئت جميع الشموع . أخذ تيرنس شمعة ووضعها فى وسط الطاولة . سكب من جديد الشمبانيا وقدمها مع الكافيار . احتست ماريا كأسها , وهى تفكر فى الألف فرنك فى محفظة يدها , فى المجهول الذى ينتظرها , وهو يسحرها ويخفيها فى الوقت نفسه . لن تسنح لها فرصة أفضل للتغلب على مخاوفها . لن تكون السهرة مع هذا الرجل شبيهة بسابقاتها , ولن تتمكن من أخضاعه .

    - اجلسى .
    قالها بنبرة امتزجت فيها عذوبة الكلام بقسوته . اذعنت ماريا لطلبه . وعندئذ , سرت فى أوصالها موجة من الحرارة . كانت تألف هذا الأمر , وأحست انها أكثر أطمئنانا "أنه المسرح , يجب أن أدخل فى اللعبة " .

    كانت تشعر بالأرتياح عندما يتوجه اليه بصيغة الأمر . يجب الاتفكر , أن تطيع فقط . طلبت المزيد من الشمبانيا , لكنه أحضر زجاجة فودكا , والفودكا يسرى مفعولها بسرعة أكبر , وتحرر بسهولة ما هو مكبوت وتتلاءم اكثر مع الكافيار .

    فض خاتم الزجاجة . شرب ماريا وحدها فى الحقيقة . كان الرعد يقصف باستمرار , وكل شئ يساهم فى تهيئة الجو الملائم وكأن السموات والأرض أبتا الا أن تضفيا على جو اللقاء طابع العنف الذى نختزه فى حناياها .

    أخرج تيرنس من الخزانة صندوقآ صغيرى ووضعه على السرير .

    - لا تتحركى !

    أطاعت ماريا . فتح الصندوق , واخرج منه زوجين من الأصفاد المعدنية الملبسة بالكروم .

    - اجلسى منفرجة الساقين .

    أطاعت وهى متلذذة بعجزها , خاضعة لأنه يشتهيها , رأته ينظر بين ساقيها : يستطيع أن يرى سروالها الاسود وجواربهاه وفخذيها , ويراقب شعيرات عانتها وعضوها .

    - قفى !
    قفزت عن الكرسى فوجدت صعوبة فى الأبقاء على توازن جسدها , وعرفت أنها كانت ثملة أكثر مما تصورت .
    - لا تنظر الى . أبقى رأسك منخفضا احتراما لسيدك .

    قبل أن تنفذ الأوامر , لمحت سوطآ رفيعآ يخرج من الصندوق ويهتز فى الهواء مطلقآ , كأن روحآ تسكن فى داخله .

    تجرعت كأسا وكأسين وثلاثة من الفودكا . لم يعد هذا مسرحآ بل وقاعآ ماثلا أمامها , وهذا فوق طاقتها . أحسنت أنها مجرد شئ أداة بسيطة , وأن هذا الخضوع منحها الشعور بالحرية الكاملة , أنه أمر لا يصدق . لم تعد العشيقة , لم تعد المرأة التى تعلم وتؤاسى وتستمع الى الأعترافات وتثير الشهوة . لم تكن الا فتاة برازيلية من الريف أمام السلطة المطلقة للرجل .

    - اخلعى ملابسك .

    كان هذا أمرآ جافا لا رغبة فيه , ومع ذلك هو ايروتيكى الى أبعد حد . أبقت رأسها منخفضآ بأستمرار كعلامة على الأحترام والخضوع اللامتناهى . خلعت فستانها فانزلق حتى لامس الأرض .

    - أرايت أنك تتصرفين بشكل سيئ ؟

    ومن جديد اهتز السوط مصفقآ .

    - عليك أن تعاقبى . كيف تجرؤ فتاة فى مثل سنك على معارضتى عليك أن تركعى أمامى !

    تهيأت للركوع , لكن السوط منعها من ذلك وأخذت الضربات تنهال على جسدها وعلى مؤخرتها , تشعرها بالحريق لكنها تترك أثرآ على جسدها .

    - لم أقل لك أن تركعى ...هل قلت ذلك ؟
    - لا !

    وانهال السوط من جديد على مؤخرتها .

    - قولى لا سيدى .

    ومن جديد الضربات . ومن جديد الحريق . لثانية أو اقل . فكرت أنها قادرة على أنهاء كل شئ حالا , وقادرة أيضآ كل شئ حالا , وقادرة على أيضآ على الذهاب حتى النهاية , ليس من أجل المال , بل بسبب ما قاله تيرنس فى المرة السابقة , لا يعرف الكائن البشرى نفسه حقآ الا حين يبلغ حدوده القصوى .

    نت هذه ما تسمى " المغامرة " . فى هذه اللحظة , لم تعد ماريا الفتاة الشابة التى تصبو التى تحقيق أهدافها فى الحياة , التى تكسب المال من جسدها , التى تعرفت الى رجل يحكى لها قصصآ مثيرة أمام مدفأة . كانت لا أحد , وهذا أقصى ما حلمت به , أن تكون لا أحد .

    - اخلعى ملابسك , وامشى امامى لأستطيع أن أراك مليآ .

    أطاعت منخفضة الرأس دون أن تنبس بكلمة . كان الرجل يتفحصها باعصاب باردة , وهو لا يزال مرتديآ نيابه . لم يعد الكائن الذى التقته فى الحانة الليلية . كان أوليس( * ) لأنى من لندن , أو تيزيوس ( * ) النازل من السماء , الخطاف الذى يجتاح المدينة الأكثر أمانآ فى العالم , والقلب الأكثر قسوة وتوحشآ على وجه الأرض , خلعت " كيلوتها وسوتيانها " . وأحست أنها محمية وان كانت لا تمتلك وسيلة للدفاع عن نفسها . كان السوط يصفق فى الهواء دون أن يبلغ جسدها .

    - أحتفظى برأسك منخفضآ ! انت هنا لكى تذلى وتخضعى لكل رغباتى , مفهوم ؟

    - أجل سيدى .

    أمسك معصميها وغلهما بالأصفاد .
    - سترين العقاب الذى سأنزله بك ! الى أن تعرف كيف تتصرفين بطريقة لائقة .
    وبيده المبسوطة صفعها على مؤخرتها .
    هذه المرة صارخت ماريا , لأنها شعرت فعلا بالألم .
    - تعترضين , أليس كذلك ؟ حسنآ , سترين ما سأفعله بك .

    وقبل أن تأتى بحركة , جاء بكمامة جلدية وأطبق على فمها . لم يمنعها من الكلام تمامآ . كان لا يزال بأمكانها أن تقول " أصفر " , " أحمر " . لكن هذه الكمامة تسمح لهذا الرجل بأن يفعل بها ما يشاء , ولم تكن هناك وسيلة للهروب . كانت عارية , مكممة , مغلولة اليدين , والفودكا تسرى فى شرايينها ممزوجة بدمائها .

    ضربة جديدة على المؤخرة .

    - اذرعى الغرفة من جهة الى جهة !

    أخذت ماريا تمشى وهى تطيع الأوامر التى يوجهها لها " توقفى " , " أستديرى يمنيآ " , " أجلسى " , " افرجى ساقيك " . من وقت لأخر , ومن دون سبب , كانت تتلقى ضربة , وتشعر بالألم , وبأنها فى عالم اخر حيث أختفى كل شئ من حولها . كان هذا شعورآ شبه دينى , الأنحناء المطلق , الطاعة , فقدان الأحساس بالأنا والرغبة والأرادة . كان العرق يتصبب من جسدها , وكانت تشعر أنها مهتاجة من جديد , ولا تفهم ماذا يدور حولها ...

    - اركعى من جديد .
    بما أنها ظلت منخفضة الرأس دليلا على الطاعة والتواضع , لم تكن ماريا قادرة على رؤية ما يحدث بالضبط . كل ما استطاعت معرفته انها كانت فى عالم أخر وفى كوكب أخر , وأن هذا الرجل يلهث وراءها تعبا من الضرب بالسوط ووضربها على المؤخرة , فيما كانت تشعر انها تزداد قوة , وأنها مفعمة بالطاقة والحيوية . الان , لم تعد تشعر بالعار ولا بالانزعاج , من أن تظهر أن اللعبة أعجبتها . أخذت تتأؤه وتطلب اليه أن يلمس عضوها , لكن الرجل بدل أن يستجيب لطبها , أمسكها ورما ها على السرير .

    رماها بعنف , لكن ليس ذلك العنف الذى يسبب ألمآ , وأبعد ساقيها وأوثقهما الى جهتى السرير . كانت يداها مغلولتين بالأصفاد وموضوعتين وراء ظهرها وساقاها مبعدتين موثقتين , والكمامة فوق فمها . متى سيلجها ؟ ألا يرى أنها مستعدة وانها تريد أن تطيعه ,’ ان تكون عبدة له , كلبآ او شيئأ يمتلكه , وانها ستفعل ما يريد , كل ما يريد .

    - هل ترغبين فى أن أجعلك تتمتعين ؟

    وضع مقبض السوط على عضوها ومرره من أسفل الى أعلى . وفى اللحظة التى لامس فيها بظرها , فقدت كل سيطرة . لم تعد تعرف كم من الوقت فضيا هنا , ولا كم من المرات ضربها . وفجأة كانت هذه هى النشوة , النشوة التى لم يستطع عشرات , لا بل مئات الرجال أيقاظها طوال هذه الأشهر . كان هناك ضوء ينفجر فى داخلها , وشعرت ماريا انها تلج فجوة سوداء فى أعمق أعماق روحها , حيث الألم والخوف يمتزجان باللذة المطلقة , ويحملانها بعيدآ أبعد من كل الحدود التى عرفتها . كانت تتأوه وتطلف صرخة مخنوقة بسبب الكمامة وتنتفض فوق السرير وتشعر أن الأصفاد تدمى معصميها , وأن السير المقدود من جلد يجرح قدميها . كانت تنتفض وتتحرك كما لم تتحرك من قبل , بالضبط لأن لديها كمامة على فمها , ولأن أحدآ لا يستطيع سماعها . كان هذا هو الألم واللذة معى , ومقبض السوط يضغط على بظرها باطراد .
    وتدفقت النشوة من كل كيانها , من فمها وعضوها وعينيها وجميع مسام جلدها ....

    دخلت حالة من الرعدة . عندما خرجت منها تدريجيآ , كان السوط أختفى من بين ساقيها وشعرها مبللا , والعرق يتصبب من مسامها . انتزعت يدان ناعمتان الأصفاد , وحررت قدميها من السير الجلدى .

    بقيت هناك ممددة , مشوسة الذهن , غير قادرة على النظر الى الرجل لأنها كانت تخجل من نفسها , من صرخاتها ومن نشوتها , داعب شعرها وكان يلهث هو أيضاً , لكن اللذة كانت حصرآ من أجلها . لم يشعر هو بأى نشوة .

    كان جسدها العارى يلتصق بهذا الرجل الذى لا يزال فى كامل ثيابه , المرهق لفرط ما أصدر من الأوامر واطلق من الصرخات , وجهد نفسه للسيطرة على الوضع الأن . لم تعد تعرف ما ينبغى لها أن تقوله أو تفعله , لكنها شعرت أنها فى أمان , دعاها الرجل لكى يساعدها على بلوغ جانب خفى لم تعرفه فيها . كان حاميها وسيدها .

    أخذت تبكى , وانتظر بصبر وأناة الى ان هدأت .

    وقالت وهى تذرف دموعها , ماذا فعلت بى ؟

    - ما أردت أن افعله .

    نظرت اليه وشعرت أنها محتاجة اليه حتى حدود اليأس .

    - لم أرغمك على شئ , ولم أجبرك ولم أسمعك تقولين " اصفر " . كانت القدرة التى تحركنى نابعة من القدرة التى منحتنى أياها انت . لم يكن هناك ضغط ولا ابتزاز , انها استجابة لرغبتك . حتى لو كنت العبدة وكنت أنا السيد , كنت أدفعك لتبلغى حريتك أنت بالذات .

    رات الأصفاد والقدر الجلدية التى وضعت فى القدمين . لا , كانت الاهانة اقوى وأكثر حدة من الألم . ومع ذلك , كان تيرنس على حق لانها تشعر انها حرة تمامآ , وأنها مفعمة بالطاقة والحيوية . لكنها فؤجئت حين رأت أن الرجل قربها كان منهكآ .

    - هل تمتعت ؟
    - لا . السيد هنا ليرغم العبد ويخضعه . لذة العبد فرحة السيد .

    لم يعد لكل ذلك معنى . كان هذا عالمآ من الفانتا سمات التى لم تكن موجودة فى الكتب ولا علاقة لها بالحياة الواقعية . كانت ماريا مفعمة بالضوء فيما بدا الرجل ضعيفآ مفرغاً .

    -بامكانك الرحيل ساعة ما تشائين .
    - لا اريد الرحيل . اريد أن افهم .

    نهضت بكامل عريها البهى , وسكبت كأسين من النبيذ . ثم أشعلت سيجارتين , أعطته واحدة واحتفظت لنفسها بالأخرى . كان الأدوار مقلوبة : السيدة تخدم العبد , وتكافئه على اللذة التى منحها أياه .

    - سأرتدى ثيابى ثم أرحل . لكن قبل أن أفعل ذلك أريد أن نتكلم قليلا .
    - ليس هناك ما يقال . هذه كانت رغبتك وكنت رائعة . أنا متعب وعلى الذهاب غدآ الى لندن .

    تمدد وأغمض عينيه . لم تكن ماريا تعرف اذا كان يتظاهر بالنوم أم لا , لكن لا بأس فى ذلك . دخنت سيجارتها بلذة , وأحتست ببطء كأس النبيذ أمام النافذة ووجهها ملتصق بالزجاج , تراقب البحيرة وترغب فى أن يراها أحد هكذا , عارية , مفعمة , مشبعة , واثقة بنفسها .

    ارتدت ثيابها , وخرجت دون أن تودعه , ودون ان تدعوه ليفتح الباب بنفسه . لم تعد لهذه العادة أهمية , وهى ليس أكيدة انها ترغب فى العودة .

    سمع تيرنس الباب يغلق . انتظر لبضع دقائق ليرى ما اذا كانت ماريا يترجع مختلقة ذريعة ما , ثم نهض وأشعل سيجارة .

    أخذ يفكر بأن هذه الفتاة تملك أسلوبآ خاصآ بها . تحملت السوط وهو اسلوب التعذيب الأكثر شيوعآ والأقدم والاقل ايلامآ . تذكر حين قام لأول مرة بأختبار هذه العلاقة الغامضة بين كائنين يرغبان فى الاقتراب أحدهما من الأخر , لكنهما لا يتوصلان الى ذلك الا اذا أخضعنا أحدهما للأخر للتعذيب بالتناوب .

    فى الخارج , كان هناك الملايين من البشر الذين يمارسون كل يوم , وعلى غير علم منهم , فن المازوشية السادية , يتلذذون بتعذيب أنفسه وتعذيب الأخرين . يذهبون الى العمل ويعودون الى بيوتهم متذمرين من كل شئ . الرجل يعتدى على المرأة , والمرأة تعتدى على الرجل . ويشعر الجميع بأنهم تعساء , لكنههم يتلذذون بتعاستهم , يلتصقون بها بطريق لا تنفصم عرها , لكنهم لا يدركون أنه يكفى أن يقوموا بحركة أو عبارة ليتحرزوا من الأضطهاد . عرف تيرنس ذلك مع زوجته , وهى مغنية أنكليزية شهيرة . عرف عذاب الغيرى التى أزقته . كان يتشاجر مع زوجته طوال الوقت , ويقضى نهاراته تحت تأثير المهدئات , وليالية ثملا يعاقر الخمرة . كانت زوجته تحبه ولا تفهم تصرفاته . وكان يحبها ولا يفهم معنى تصرف بالذات . لكن بدا الامر وكأن الألام التى ينزلها أحدهما بالأخر ضرورية لأستمرار علاقتهما , وجوهرية فى حياتهما معآ .

    ذات يوم , نسى أحد المؤلفين الموسيقيين , وهو رجل كان يبدو لتيرنس طبيعيآ للغاية أكثر مما يمكن أن يكونه فنان , نسى كتابا فى الأستوديو " فينوس المرتدية الفرو " وكاتبه يدعى ليوبولد فون ساخر – مازوخ . تصفح تيرنس الكتاب , وكلما تقدم فى قراءته , فهم ذاته بشكل أفضل .

    " خلعت المرأة الجميلة ملابسها , وأمسكت سوطآ طويلا له مقبض صغير ولفته حول معصمها , قالت لعشيقها " طلبت الى أن أجلدك , وهذا ما سأفعله " . فهمس عشيقها قائلا " أجلدينى , أتوسل اليك " .

    كانت زوجة تيرنس فى الجهة الأخرى من الحاجز الزجاجى فى الأستوديو , منصرفة تمامآ للتمرن على الغناء من أجل الحفلة المقبلة .
    طلبت من التقنيين أن يقطعوا الميرفون الذى يسمح بسماع كل شئ , ونفذات أوامرها . اعتقد بيرنس أنها فعلت ذلك لتضرب موعدا مع عازف البيانو دون ا، يسمعها احد . ثم انتبه لتصرفه وشكوكه المريرة بسبب الغيرة المجنونة التى تثيرها فيه زوجته , لكنه كان قد اعتاد العذاب , ولم يعد يستطيع العيش من دونه .

    تذكر كلام المرأة فى الرواية التى كانت بي يديه , عندما خلعت ملابسها وقالت " سأجلدك " . فأجابها العشيق " أجلدينى , أتوسل اليك " .

    كان تيرنس رجلا جميلا ويتمتع بنفوذ كبير فى مؤسسة اسطواناته , فما حاجته اذن ليعيش حياة كهذه ؟

    لكنه يحب العذاب , ويستحقه , لأن الحياة كريمة معه , ولم يكن جدير آ بكل هذه النغم , من مال واحرتام وشهرة . وقد وصل فى مهنته الى مستوى رفيع , ويشعر أن كل شئ متوقف على أحراز النجاح المتواصل . وهذا ما كان يقلقه أيضا , لا،ه سبق له أن رأى ناسآ كثيرين فى قمة الشهرة يسقطون من عليائهم .

    قرأ الكتاب حتى أخر جملة , ثم أخذ يتوسع فى أبحاثه ويقرأ كل ما يتصل بالعلاقة الغامضة التى تربط الألم باللذة . عثرت زوجته على أفلام الفيديو التى أستأجرها , والكتب التى خبأها , وسألته ما معنى هذا كل , وهل كان مريضاً . أكد تيرنس لها أنها أبحاث تقوم بها وتساعده فى انجاز عمل جديد . واقترح عليها دون أن يبدو عليه أدنى أهتمام " لن نخسر شيئا اذا حاولنا " .

    حاولا , بخجل كبير فى البداية , ملتجئين فقط الى الكتب الوجيزة الموجودة فى متجر الخلاعيات . ثم أخذا يطوران تقنياتهما شيئا فشيئى , وتوصلا الى بلوغ حدود خطرة فى المسألة , لكنهما كانا يشعران ان زواجهما يزداد متأنة , وانهما شريكان فى سر محزن وملعون .

    توسعا فى تجربتهما لتشمل فنونآ أخرى , أطلقآ موضة جديدة , ملابس جلدية مكبسة بالمسامير الحديدية . كانت زوجته ترتدى جزمة جلدية وتحمل رباط الجوارب . وتدخل حلبة المسرح وفى يدها السوط فتفتن الجمهور حتى الهذيان . احتلت اسطوانتها الجديدة المرتبة الأولى فى " الهيت – باراد , بانكلترا " وأحرزت نجاحآ منقطع النظير فى جميع انحاء أوروبا . فوجئ تيرنس بردود فعل الشباب , واكتشف انهم يتقبلون بسهولة غير متوقعة شطحاته الشخصية .

    بد له أن العنف الذى يكبتونه فى داخلهم كان يعبر عن نفسه بهذه الطريقة , بحدة , ولكن لا تصل الى الى حدود الأذى والخطورة .

    اصبح السوط رمز الفريق . وطبع على الأقمصة , وجرى استخدامه فى الوشوم والملصقات الصغيرة وبطاقات البريد . كان تيرنس يمتاز بنشأة ثقافية وفكرية مختلفة , مما دفعه الى التعمق فى هذه المسألة بأطراد , وذلك بهدف أن يفهم نفسه أكثر .

    وبخلاف ما قاله للعاهرة , لم يكن لذلك علاقة بالنادمين على خطاياهم , طالبى المغفرة الذى أرادوا التضحية وتعذيب أنفسهم فى سبيل أبعاد الطاعون الأسود . منذ أول الازمنة والأنسان يعرف أن ترويض الألم هو جواز المرور الى الحرية .

    كان هناك أعتقاد سائد فى مصر وروما وبلاد فارس , فحواه أن الأنسان يجب أن يضحى بنفسه من أجل انقاذ بلاده ولعالم . وكان أمبراطور الصين , ما ان تحدث كارثة طبيعية , حتى يعاقب لأن يمثل الألوهية على الأرض . وكان المحاربون الأشداء والأكثر بسالة فى أسبارطة واليونان القديمة يجلدون مرة فى السنة , من الصباح حتى المساء , أكراما للالهة أرتيميس , فيما كانت الحشود المجمعة تشجعهم بهتافاتها وصرخاتها على تحمل الألم بكرامة , لأن هذا الألم يعدهم بشكل أفضل لمواجهة الحروب الأتية . وعند أنتهاء النهار , كان الكهنة يتفحصون الأثار التى تركتها الجراح على ظهورهم , ويقرأون فى خطوطها مستقبل المدينة .

    كان " آباء الصحراء " وهم ينتمون الى رهبنة قديمة فى القرن الرابع عشر يقع ديرها فى منطقة قريبة من الأسكندرية , يلجأون الى جلد أنفسهم , لكى يدحروا الشياطين , أو يبرهنوا تفوق الروح على الجسد فى السعى الروحى . كما ان تاريخ القديسين حافل بالأمثلة على ذلك . كانت القديسة روز تركض فى حقل من الشوك والقديس دومينيك لوريكاتوس يجلد نفسه كل مساء قبل النوم . وكان الشهداء يستسلمون طوعآ للموت البطئ على خشبة الصليب أو للحيوانات المفترسة كى تلتهمهم . كانوا جميعآ على يقين بأن تجاوز الألم يقودهم الى حالة الأنخطاف والنشوة الروحية .

    ثمة دراسات راهنة غير مثبتة علميآ , تؤكد أن نوعا من الفطر , ذى المزايا المسببة للهلوسة ينمو على الجراح , ويثير بالتالى الرؤى .
    وكانت اللذة التى يتركها تعذيب النفس عارمة لدرجة أن هذه الممارسة لم تقتصر فقط على الأديرة , بل تعدتها لتنتشر فى العالم أجمع .

    فى العالم 1718 , صدر كتاب عنوانه " مبحث فى جلد الذات " , وهو يتحدث عن كيفية اكتشاف اللذة عبر الألم , دون باذى جسدى . وفى نهاية القرن الثامن عشر , كانت هناك أمكنة كثيرة . فى جميع أنحاء أوروبا يتردد اليها الناس , سعيآ وراء اكتشاف المتعة عبر الألم . ووفقآ لأرشيفات , فقد ظهرت لدى بعض الملوك والملكات عادة تقضى بجعل خدامهم يصربونهم . ثم اكتشفوا انه يمكن أن نشعر باللذة ليس فقط من خلال تلقى الألم بل من خلال ممارسته على الأخريين , مع ان تلك الممارسة كانت اكثر ارهاقا واقل توفيرآ للمتعة .

    كانت تيرنس يدخن سيجارته وهو يشعر برضى لدى تفكيره ان الجزء الأكبر من البشرية كان عاجزى عن فهم أفكاره . وهذا أفضل , لانه بذلك يستطيع أن يكون فخورآ بانتمائه الى ناد مغلق لا يمكن الا للنخبة وحدها دخوله . تذكر كيف أن عذابه فى الزواج تحول الى انبهاء دائم . كانت زوجته تعرف الهدف من زياراته الى جنيف , ولم تكن منزعجة , بل على العكس كانت سعيدة
    بأن يحصل زوجها , فى هذا العالم المريض , على المكأفاة المرجؤة بعد أسبوع من العمل المضنى .

    فكر ان الفتاة التى خرجت لتوها من غرفته قد فهمت كل شئ , وان ورحيهما متقاربان . شعر بحضورها الطاغى , رغم أنه ليس مستعدى للوقوع فى الحب لأنه مغرم بزوجته . لكن راق له التفكير أن يمارس حريته على أكمل وجه وأن يحلم بعلاقة جديدة .

    بقيت التجربة الأصعب , أن يجعل " فينوس ذات الفرو " ملكة , سيدة قادرة على أذلاله ومعاقبته دون رحمة . واذا نجحت فى الاختبار , فسيكون جاهزآ ليفتح لها قلبه , ويسمح لها بالدخول اليه .



    * * * * *

  3. #9

    افتراضي رد: 11 دقيقة , رواية 11 دقيقة , للكاتب بابلو كويلو

    هذا ما دونته ماريا فى يومياتها وهى لا تزال تحت تأثير الفودكا واللذة :

    " عندما لم يعد لدى ما أفقده , نلت كل شئ , عندما توقفت عن أن أكون ما كنته , وجدت نفسى . عندما عرفت الذل والخضوع التام , صرت حرة . لا أعرف أن كنت مريضة , ان كان كل هذا لحمآ أو شيئآ يحدث مرة واحدة . أعرف أننى أستطيع العيش من دونه , لكن أحب أن ألتقيه ثانية , وأعيد التجربة وأمضى ابعد وأبعد فيها .


    كنت خائفة قليلا من الألم , الا انه كان أقل قوة من المذلة , لم يكن الا ذريعة . عندما بلغت رعشتى الجنسية الأولى منذ أشهر , وبعد كل هؤلاء الرجال الذين عاشرتهم وكل ما فعلوه بجسدى , أحسست – ويا للعجبا – أننى أقرب الى نفسى . تذكرت ما قاله بخصوص الطاعون الأسود , عندما كان جلادو أنفسهم يمنحون عذاباتهم من أجل خلاص البشرية , ويجدون فيها لذة . لم أكن أريد انقاذ البشرية , ولا هو , ولا نفسى . كنت حاضرو فقط أمام ذاتى وبقوة .

    الجنس هو فن السيطرة على فقدان السيطرة .


    * * * * *



    ليس الأمر مسرحية , كانت ماريا ورالف فى المحطة فعلا بناء على طلب من ماريا التى أرادت الذهاب الى هناك . سمحت لنفسها بهذه النزوة , لا ضير فى ذلك لتناول صنف من بيتزا ! أستعذبت مذاقه . ليت رالف وصل قبل يوم فقط , عندما كانت تشعر أنها أمرأة تسعى الى الحب والرغبة ونار المدفأة والنبيذ ! لكن الحياة قزرت بشكل مختلف وأتخذت مسارا اخر . لم تعد اليوم بحاجة لأن تركز اهتمامها على الأصوات وعلى اللحظة الحاضرة لتنسى العذاب الذى يتسببه الحنين الى رالف . والسبب أن رالف لم يخطر على بالها للحظة واحدة لأكتشافها أشياء أخرى تثير اهتمامها أكثر .

    ما العمل اذن مع هذا الرجل الجالس قربها يلتهم البيتزا ؟ لعله لا يحبها وينتظر بفارغ الصبر أن يذهب بها الى بيته ؟ عندما دخل الى " كوباكابانا " ودعاها لتناول كأس , فكرت أن تقول له أن الأمر قد انتهى , وانه يستطيع أن يبحث عن فتاة أخرى . لكنها شعرت برغبة عارمة للتحدث مع أحدهم عن سهرتها السابقة .

    حاولت أن تتحدث عن الموضوع مع بعض العاهرات اللواتى كن يعاشرن زبائن غير عاديين , لكن جميعهن غيرن الموضوع . ومن بين كل الرجال الذين تعرفهم , كان رالف هارت الوحيد الذى بامكانه أن يفهمها , لا سيما وأن ميلان كان يصنفه من الزبائن غير العاديين . نظر اليها رالف بعينين تلتمعان شوقآ , وهذا صعب , الامور عليها , ورأت أن من الأفضل عدم التحدث فى ذلك .

    - ماذا تعرف عن " الألم والعذاب والكثير من اللذة ؟ .

    مرة أخرى , لم تستطع السيطرة على نفسها , وتفوهت بما كانت تريد أن تكلمه قبل قليل .

    توقف رالف عن تناول الطعام .

    - أعرف كل شئ , وهذا لا يثير اهتمامى .

    كان الجواب خاطفآ وكانت ماريا مصدومة . الجميع يعرفون كل شئ عن الموضوع , ما عداها , يا الهى اى عالم هذا الذى أعيش فيه ؟

    تابع رالف كلامه :

    - صارت شياطينى وظلماتى وذهبت حتى النهاية . اختبرت كل شئ , وليس فقط فى هذا الميدان , بل فى ميادين اخرى كثيرة . ومع ذلك , حين تواجهنا فى المرة السابقة , وجدت حدودى غير اللذة , وليس عبر الألم .

    غصت فى أعماق نفسى , وأدركت أننى لا أزال أصبو للحصول على اكبر قدر ممكن من الأشياء الحلوة فى الحياة , وهى كثيرة .

    كان رابغآ فى أن يقول لها " وانت أحد هذه الأشياء الجميلة التى أصبو اليها . لذا . أتوسل اليك ألا تسيرى فى هذه الطريق , لكنه لم يملك الشجاعة على قول ذلك . عندما وصلا الى الساحة , نادى سائق تاكسى , وطلب اليه أن يقلهما الى ضفة البحيرة . حيث مشيئا سوية يوم تعارفا للمرة الأولى , وبدا لماريا أن أبدية تفصلها عن ذلك اللقاء .

    فؤجئت ماريا بشعورها لكنها حافظت على هدوئها . كانت غريزتها تقول لها ان لا يزال أمامها الكثير لتخسره , رغم ان روحها ما برحت منتشية بما حدث البارحة .

    لم تخرج من ذهولها الا عندما وصلا الى ضفة البحيرة . كان الوقت لا يزال صيفآ , لكن الطقس يميل الى البرودة فور حلول الظلام .

    سألته عندما نزل من السيارة :

    - ماذا نفعل هنا ؟ الهواء بارد , سأصاب بالزكام .
    - فكرت بكلماتك كثيرآ , العذاب واللذة , أخلعى حذاءك .

    تذكرت أن أجد زبائنها طلب اليها الشئ نفسه , وانه كان مستثارآ فقط لمجرد النظر الى قدميها . ألن تدعها " المغامرة " فى سلام اذن ؟

    - سأصاب بالبرد .

    اصر رالف على قوله :

    - أفعلى ما أقوله لك . لن تصابى بالبرد اذا بقيت وقتآ قصيرآ هنا . ثقى بى كما انا اثق بك .
    أدركت ماريا أنه كان يريد مساعدتها . لعل تجربته فى الحياة أوسع بكثير مما عرفته . لعله شرب كثيرآ من مياه بالغة المرارة , وأراد تجنيبها الخطر الذى تعرض له من قبل . لكنها لم تكن ترغب فى أن يساعدها أحد . كانت راضية بعالمها الجديد , حيث العذاب لم يعد مشكلة . ومع ذلك , فكرت فى البرازيل وتخلت عن حلمها فى لقاء شريك تواجه معه عالمآ بهذا الأختلاف . وبما أن البرازيل صارت أهم شئ فى حياتها , فقد خلعت حذاءها . مشت على الأرض المغطاة بحجارة صغيرة فتمزقت جواربها . لا أهمية لذلك , تستطيع أ، تشترى بدلا منها .

    - اخلعى سترتك .

    بامكانها ان ترفض , لكنها منذ البارحة اعتادت ان تقول بفرح " نعم لكل شئ " . خلعت سترتها , لم يتأثر جسدها بالبرد فى الحال , ولكن تدريجيآ أخذ البرد يزعجها .

    - فلنمش ولنتحدث .
    - هنا مستحيل , الأرض مكسوة بالحجارة .
    - لكن هذا ما أردته بالضبط , أن تتحسسى هذه الحجارة , وأن تسبب لك الألم , وأن تدمى قدميك . جزيت دون شك العذاب المقرون باللذة , كما جربته أنا , واريد أن أنتزع هذا الشعور من روحك .

    رغبت ماريا فى أن تقول له , غير مجد ما تفعله لأن الامر لتحبنى . لكنها أخذت تمشى ببطء بسبب البرد والحجارة الحادة الزوايا التى كانت تجرح راحتى قدميها .

    - ذهبت الى اليابان لأعرض لوحاتى , حين كنت متورطاً بكليتى فى ما تسميه العذاب , الأهانة والكثير من اللذة . كنت أعتقد أن هذه الطريق لا رجوع منها , وأننى اتوغل فيها أكثر فأكثر , وانه لم يتبق لى من رغبة أخرى فى هذه الحياة سوى أن أعاقب , وأنا أعاقب .

    كلنا بشر , وجميعنا يرافقنا الأحساس بالذنب منذ ولادتنا , وتخاف عندما نشعر أن السعادة باتت فى متناول أيدينا . ويداهمنا الموت ونحن لا نزال نرغب فى أن نعاقب الأخرين , لاننا نشعر أننا عاجزون باستمرار , مظلومون , تعساء . أليس تكفير المرء عن خطاياه . وقدرته على معاقبة الخطأة . امرآ لذيذآ ؟ أجل , هذا رائع .

    كانت ماريا تمشى , وكان الألم والبرد يفوتان عليها فرصة الأنتباه الذى توليه لكلمات رالف , رغم كل جهودها فى تخطى هذ العذاب .

    - اليوم , لاحظت الأثار على معصميك .

    يقصد اثار الأصفاد . مع أنها ارتدت عدى أساور لكى تخفيها عن الأنظار . لكن عينى رالف المنتبهتين دوما لا يخفى عليها شئ .

    - وأقول لك أخيرآ , انك اذا كنت مقتنعة بأن ما اختبرته مؤخرآ يدفعك للذهاب فى هذه الطريق , فأنا لا أمنعك . لكن أعلمى أن لا علاقة لهذا بالحياة الواقعية ....

    - قلت هذه الطريق ؟
    - أقصد طريق الألم واللذة . السادية والمازوشسة . سمى ذلك ما شئت . اذا كنت مقتنعة أن هذه هى طريقك , فلن أمنعك , لكنى سأتعذب حين أتذكر أشتهاءك , ولقائى بك , والنزهة على طريق مار يعقوب , و " الضوء " المنبعق منك . سأحتفظ بالقلم الذى اهديتنى اياه فى مكان خاص , وسأذكرك كلما أشعلت النار فى المدفأة . لكنى لن أعود الى رؤيتك ثانية .

    أحست ماريا بالخوف , حان الوقت لتتراجع , لتقول الحقيقة وتتوقف عن التظاهر بأنها ملقة أكثر منه فى هذا الموضوع .

    - التجربة التى قمت بها مؤخرا – البارحة لكى أكون صريحة معك تماما – لم أقم بها من قبل ..ما يخيفينى أن أجد نفسى على شفير الفساد والأنحلال .

    صار الكلام صعباً . كانت أسنانها تصطك وقدماها ترتجفان .

    واصل رالف كلامه , وكأنه لا يصغى الى ما تقوله :

    - أقمت معرضى فى منطقة تدعى " كومانا " ذات يوم جاء حطاب لزيارة المعرض , لم تعجبه لوحاتى , لكنه أستطاع أن يدرك عبر الرسوم ما كنت أعيشه وأحسه . فى اليوم التالى , جاء لزيارتى فى الفندق , وسالنى اذا كنت سعيدآ . قال لى اذا كنت سعيدآ فعلى أن اواصل السعى بحثى عما أحبه . واذا كنت تعيساً فعلى مرافقته وقضاء بضعة أيام معه . ارغمنى على المشى فوق الحجارة , كما أفعل الان معك , وجعلنى أدرك روعة الألم . لكن الألم الذى احسسته كانت الطبيعة تمارسه على الأنسان ولا يمارسه أنسان على أخر . كان هذا الطقس يدعى " شوغان دو " وهى ممارسة ترقى الى آلاف السنين .

    قال لى اننى كنت رجلا لا يهاب الألم وهذا شئ جيد . ذلك أن ترويض الروح يمر عبر ترويض الجسد . لكن المشكلة , فى رأيه , اننى أستخدم الألم بطريقة خاطئة , وهذا سيئ جدا .
    كان ذلك الحطاب الامى يعتقد أنه يعرفنى أفضل مما أعرف نفسى . وهذا ما أثار غيظى . الا اننى شعرت بالفخر , لأن لوحاتى تستطيع ان تعبر عما احسه , ويفهمها كل الناس .

    شعرت ماريا ان حجراً أكثر حدة من الحجارة الاخرى جرح قدميها . لكن البرد كان أقوى من كل شئ. كادت عروقها تتجمد من شدة الصقيع , وشق عليها الأستماع الى أقوال رالف , لماذا لا يهتم الرجال فى هذا العالم اللعين الا بالكلام على الألم معها , الألم المقدس , الألم المقترن باللذة , الألم مع ايضاحات أو من دونها , لكن دائمى الألم , ولا شئ الاه ....

    أدمى حجر أخر قدمها الجريحة . كتمت ألامها على مضض , وواصلت تقدمها . فى البداية , حاولت الحفاظ على رباطة جأشها , وعلى تماسكها المطلق , وعلى الضوء المنبعث منها . ها هى الان تمشى فيما معدتها تضطرب , وأفكارها تدور مكانها , شعرت انها ستتقيأ , قررت التوقف . كل ما تفعله غير مجد , وعلى الرغم من ذلك لم تتوقف .

    لم تتوقف احتراما لكبريائها . كانت قادرة على مواصلة هذه الرحلة حافية القدمين , مستغرقة ما تتطلبه من وقت , لانها سرعان ما تبغ نهاياتها , لانها لن تدوم طوال الحياة . وفجأة , فطرت لها فكرة أخرى : ماذا لو لم تستطع الذهاب غدا الى " كوباكابانا " بسبب الندوب الخطيرة , أو الحمى القوية التى قد يسببها الزكام المحتم ؟ أخذت تفكر بالزبائن الذين ينتظرونها , بميلان الذى يثق بها كثيرآ , بالمال الذى لن تكسبه , بمزرعتها المقبلة , بأهله الفخورين بها . لكن الألم سرعان ما ابعد كل هذه الخواطر , وأخذت تمشى متعثرة الخطوات , تنتظر بفارغ الصبر أن يعترف رالف هارت بأنها بذلك قصاراها , ويقول لها ان هذا يكفى , وانها تستطيع ارتداء حذائها من جديد .

    بيد أن رالف بدا بعيدى غير مكترث . كانت تلك طريقته الوحيدة لتحريرها من هذه الأشياء التى تجهلها وتسحرها فى أن , لكنها ستترك فى النفس دمارآ وجراحا أعمق من الكدوم التى أحدثتها الأصفاد . كانت تعرف انه يحاول مساعدتها , وتبذل جهودآ مضنية لاثبات قوة أرادتها . لكن الألم قطع عليها كل الأفكار التى راودتها , دنست كانت أم نبيلة . وحده الألم يحتل فضاء كيانها اذن يرعبها , يرغمها على الأعتراف بأن هناك حدودآ لا يمكن تجاوزها ...
    لكنها قامت بخطوة .
    ثم بأخرى .
    وبدا الألم , وكأنه يجتاح نفسها ويضعفها روحياً . فالقيام بمسرحية صغيرة فى فندق من خمس نجوم , وهى عارية أمام كأس الفودكا وطبق من الكافيار شئ , والمشى فى البرد وقدماها حافيتان تجزهما على الحجارة الناتئة شئ اخر . شعرت أنها مضطربة الذهن , ولا تقوى على التفوه بكلمة واحدة أمام هارت . كان عالمها مقتصرا فقط على الحجارة الصغيرة الحاذة التى ترسم دربها بين الأشجار .

    وفيما كانت على أهبة الأستسلام , أجتاحها شعور غريب , شعور بانها تجاوزت الحد , وباتت تطفو على مساحة فارغة , وبدا لها أنها عائمة فوق نفسها غافلة عما تحس به . أيكون هذا الشعور هو ما أحمل به طالبو المغفرة الذين حدثها عنهم تيرنس . أكتشفت فى الجهة الأخرى من الألم بابا يقضى الى طبقة اخرى من الوعى , حيث لا مكان للطبيعية التى لا ترحم ولا تقهر .

    أصبح كل شئ من حولها ضبابيا وكأنها فى حلم : المنتزه المضاء بشكل سيئ , البحيرة القاتمة , الرجل الصامت , المتنزهون الذين لا يلاحظوا انها كانت حافية القدمين وتتعثر فى مشيتها ...

    هل كان هذا بفعل البرد أم الألم ؟ وفجأة , فقدت حاسة الشعور , وانتقلت الى حالة انتقى فيها كل احساس بالرغبة أو الخوف اعتراها احساس غامض لا تدرى ماذا تسقيه ؟ انه " سلام غامض . لم يكن الحد الذى بلغه الألم هو الحد الأقصى , وباستطاعتها ان تذهب أبعد من ذلك .

    فكرت بكل الكائنات البشرية التى تتعذب بصمت دون أن تفتعل الألم كما هى تفتعله الأن . هذا أيضا لا يهمها . المهم أنها تخطت حدود جسدها , ولم يتبق من الان فصاعدا الا الروح " الضوء " . انه مجرد فراغ , دعاه أحدهم الجنة ذات يوم . ثمة آلام لا تنسى الا اذا كانت لدينا القدرة على تجاوز أثارها .

    المشهد الثانى الذى تذكرته هو حين أخذها رالف بين ذراعيه . خلع سترته ووضعها على كتفيها . تداعت أرضا بسبب البرد . قلما بهم . كانت سعيدة ولم تكن خائفة . عليها أن تنتصر , ولن تذل نفسها أمام هذا الرجل .




    * * * * *








    أصبحت الدقائق ساعات . لابد أنها غفت بين ذراعيه . حين أستفاقت وجدت نفسها , وكان الوقت لا يزال ليلا , فى غرفة تحوى فى أحدى زواياها , جهاز تلفزيون , ولا شى اخر , غرفة بيضاء , فارغة .

    ظهر رالف يحمل كوبا من الشيكولاتة الساخنة .

    قال :
    - حسنا , وصلت بك حيث أردت الوصول .
    -لا أريد شوكولاته , أريد نبيذا . اريد أن اذهب الى غرفتنا , وارى المدفأة والكتب المبعثرة أرضاً .

    قالت " غرفتنا " تفؤهت بهذه الكلمة سهوا .

    نظرت الى قدميها . وما عدا الجرح الصغير , لم يكن هناك الا ندوب حمراء سرعان ما تختفى فى وقت قصير . نزلت الدرج على شئ من الشقة . وذهبت لتجلس فى أحدى الزوايا على السجادة قرب المدفأة . كان هذا المكان يريحها , وكأنه خصص لها فى هذا البيت .

    - قال لى هذا الحطاب انه عندما نقوم بتمرين جسدى ونسعى الى انتزاع كل الطاقة من جسدنا , تكتسب الروح عندئذ قوة غريبة تشبه " الضوء " الذى رأيته فيك , أخبرينى ماذا شعرت ؟

    - أن الألم صديق المرأة .
    - هذا خطر .
    - وأن الألم له حدود .
    - هذا هو الخلاص . لا تنسى ذلك .

    كانت أفكار ماريا لا تزال مشوشة . أحست بهذا . " السلام " عندها ذهبت ابعد مما تحتمل . أكتشفت شكلا جديدآ من العذاب . وهذا منحها لذة غريبة .

    تناول رالف كرتونآ للرسم , وبسطه أمامها قائلا :

    - هذه هى قصة الدعارة . طلبت الى أن استعلم عن الوضوح يوم تعارفنا .
    أجل , تذكرت أنها طلبت اليه ذلك بهدف التسلية وتزجية الوقت , أو ليكون الأمر مدخلا
    لأستعراض ذكائها . أما الأن , فلم يعد لذلك أى أهمية .
    - فى الأيام الأخيرة , شعرت طوال الوقت أننى اسبح فى مياه مجهولة . لم أكن أعتقد أن
    هناك تاريخيآ لهذه الظاهرة . كل ما أعرفه أنها أقدم مهنة فى التاريخ . لكن تاريخيها
    موجود , وهناك قصتان .
    - وهذه الرسوم ؟
    شعر بقليل من الخيبة , لأنها لم تفهم كلامه . ثم أضاف .
    - رسمت على الورق الأشياء التى استلهمتها , كنت أقرا وأقوم بالأبحاث وأتعلم .
    - نتكلم عن هذا فى يوم أخر . أما اليوم , فلا أريد أن اغير الموضوع . اريد أن افهم الألم .
    عانيت الألم البارحة , واكتشفت انه يقودك الى اللذة . وعانيته اليوم وشعرت أنك وجدت السلام . لذا أقول لك , لا تتعوديه , انه مخدر خطير ندمته . انه يواكبنا فى حياتنا اليومية وفى عذابنا الخفى , فى استسلامنا وفى انهيار أحلامنا , لكننا تحمل الحب مسؤللية الأمدا على الدوام . الألم مخيف عندما يكشف عن وجهه الحقيقى , لكنه ساحر عندما يكون تعبيرآ عن التضحية او التخلى عن الذات أو الجبن . يستطيع الكائن البشرى أن يتجنب الألم , كما يستطيع أن يجعله ملاذة الأمين , ويسعى لأن يجعله جزءا من حياته .

    - لااعتقد ذلك , لا أحد يرغب فى العذاب ...
    - اذا استطعت ان تفهمى أنك قادرة على العيش دون عذاب , فهذا يعنى أنك قمت بخطوة كبيرة الى الأمام . لكن لا تظنى أن الأخرين سيحذون حذواك . لا أحد يرغب فى العذاب . ومع ذلك , فان الجميع أو الغالبية العظمى , يبحثون عن الألم والتضحية فى عيون أولادهم وأزواجهم والله . فنتخل عن التفكير بذلك الان . أعلمى فقط أن ما يحرك الكون ليس السعى وراء اللذة , بل التخلى عن كل ما هو جوهرى . ألا يذهب الجندى الى الحري ليقتل العدو ؟

    لا , يذهب ليموت فناء بلاده . ألا تحب المرأة أن تعبر لزوجها عن الحد الذى تشعر معه بالرضى والاكتفاء ؟ لا , تريد أن يرى الى أى حد تتفانى ونتعذب لكى يكون سعيدآ . الا يذهب الزوج الى العمل وهو يسعى لأن يحقق تألقه الشخصى ؟ لا , يبذل عرقه ودموعه من أجل عائلته , وهكذا دواليك . يتخلى الأولاد عن أحلامهم لكى يدخلوا السرور الى قلوب أهاليهم . ويتخلى الأهل عن الحياة ليدخلوا السرور الى قلوب اولادهم . ويصبح الألم والعذاب الدليل على ذلك الشئ . الذى يفترض به الا يؤذى الا الى الفرح , وهو الحب .

    - توقف .

    توقف رالف , حان الوقت لتغيير الموضوع من جديد . أخرج الرسوم التى أنجزها الواحد تلو الأخر . بدا كل شئ مشوشا أول الامر . كانت هناك شخصيات مرسومة , ولكن أيضا خربشات وألوان وخطوط متوترة أو هندسية . ثم بدأت ماريا تفهم تدريجيا ما كان يقوله , لانه كان يرافق كل كلمة بحركة من يده , وكل جميله تعيدها الى العالم الذى تنكرت له , مع انها نتتمى اليه , متذرعة أن ذلك العالم لا يشكل الا مرحلة مؤقتة من حياتها , ووسيلة لكسب المال , ليس ألا .

    - أكتشفت أن هناك قصتين للدعارة لا قصة واحدة . الأولى تعرفينها لأنها تشبه قصتك تماما : تكتشفت فتاة جميلة , ولأسباب عديدة أختارتها او فرضت عليها , أن الطريقة الوحيدة لتكسب رزقها هى فى أن يشبع جسدها . وتوصلت بعض العاهرات , من خلال هذه الوسيلة , للسيطرة على أمم فى التاريخ , هناك ميسالين فى روما , وأخريات تحولن الى أسطورة مثل مدام دوبارى , أو ارغتهن المغامرة , لكنهن كن سيئات الحظ مثل الجاسوسة ماتاهارى . ألا أن معظمهن لم يعرفن لحظة مجد واحدة , ولا واجهن تحديات كبيرة .

    بل بقين الى الأبد الفتيات اللواتى كن يسعين وراء الشهرة والزوج والمغامرة , ثم اصطدمت بواقع مختلف , قال بهن الأم الى الأستسلام للواقع , والتآلف معه , فانههارت أحلامهن بالسيطرة عليه , ولم يتوصلن لأنه يفعلن شيئا اخر . منذ أكثر من ثلاثة ألاف سنة , والفنانون يتفننون فى صنع المنحوتات والرسوم واللوحات والكتب , والعاهرات يقمن بعملهن منذ الأزل , وكأن شيئا لم يتغير . هل تريدين أن أحدثك عن تفاصيل أخرى ؟

    وافقت ماريا بأشارة من رأسها . لكن لا يزال همها أن تفهم الألم , وأن يتسنى لها الوقت لذلك , شعرت أن شيئا مؤذيا شريرا خرج من جسدها , فيما كان تمشى فى المتنزه .

    - هناك دومآ اشارة الى العاهرات فى النصوص القديمة , فى الرسوم الهيروغليفية المصرى وفى الكتابات السومرية وفى العهدين القديم والجديد . لكن المهنة لم تنتظم الا فى القرن السادس قبل المسيح , عندما أنشا المشترع سولون المواخير التى تشرف عليها الدولة , وقام بفرض ضريبة على الأتجار بالجسد . لقى هذا الأجراء ارتياحاً فى صفوف رجال الأعمال فى اثينا , لأن هذه التجارة التى كانت محرمة , صارت شرعية . أما العاهرات فكن يصنفن وفقآ للضرائب التى يدفعنها . هناك العاهرة الأقل ثمنآ وتدعى ( Pone ) . وهى عبدة يملكها أصحاب المواخير . ثم تأتى العاهرة التى تجد زبائنها فى الشارع وتدعى Perirpatetike) ) . وأخيرى العاهرة التى تأتى فى الصدراة من حيث النوعية , والمبلغ الذى يدفع لها وتدعى ( ( Hetnifa..أى الأنثى الرقيقة .

    وهى ترافق رجال الأعمال فى أسفارهم وتتردد الى المطاعم الفخمة , وتتمتع بالسيادة المطلقة على أموالها , وتسدى النصائح , وتتدخل فى حياة المدينة السياسية . كما رأيت , ما كان موجودا بالأمس لا يزال مستمرآ حتى اليوم . فى القرون الوسطى وبسبب الأمراض الجنسية المعدية ...

    ساد الصمت , النار فى المدفأة تدفئ جسد ماريا وروحها . لم تكن ماريا تريد الأستماع الى هذه القصة التى تشعرها أن العالم توقف عن الدوران , وان كل شئ يتكرر دون أن يتوصل الأنسان ابدى لان يبؤى ( الجنس ) المكانة التى يستحقها .

    -لا يبدو أن الموضوع يثيرأهتمامك .

    قالت ماريا , وهى تريد أن تكون صريحة لا سيما وانها قررت أن تبوح لهذا الرجل بكل مكنونات قلبها ( مع أنها لم تعد الأن أكيدة من شئ ) .

    - لست مهتمة بما مر معى من قبل , لأنه يبعث أحزانى الدفينة . قلت لى ان هناك قصة أخرى .
    - القصة الأخرى مخالفة كليا لأولى , وهى الدعارة المقدسة .

    وفجأة خرجت ماريا من حالة الحذر التى استسلمت لها , واستجمعت قواها لتصغى بانتباه , ماذا يقول ؟ الدعارة المقدسة ؟ كيف بالأمكان كسب المال عن طريق الجنس , والأقتراب من الله , فى الوقت نفسه ؟

    - كتب المؤرخ هيروديتس فى معرض حديثه عن بابل العبارات التالية :

    " كان هناك عادة غريبة فى سومر , كانت كل أمراة مرغمة أن تذهب مرة على الأقل فى حياتها الى معبد الألهة عشتار وتسلم جسدها لمجهول يزور الميدنة , كعلامة على حسن الضيافة , مقابل مبلغ رمزى تتقاضاه .

    فكرت ماريا فى ان تعرف أكثر عن هذه الألهة . لعل هذا يساعدها هى أيضا , على استعادة شئ فقدته ولم تعد تذكره .

    - انتقل تأثير عشتار الى انحاء الشرق الأوسط كلها , وبلغ حدود سردينيا وصقلية فيما بعد . لكن , فى ظل الأمبراطورية الرومانية . كانت هناك الهة أخرى تدعى فسنا , وهى تفرض اما العذرية التامة , واما العطاء التام .

    كانت النسوة فى معبدها مسؤولات عن حراسة شعلة النار المقدسة . ولأجل ذلك يؤكل اليهن تلقين الشباب والملوك أصول الجنس , وينشدن الأناشيد الأيروتيكية , وتصيبهن الرعدة . ويقدمن نشوتهن الى الكون , باعتبارها شكلا من أشكال الأتصال بالألوهية .

    عرض رالف على ماريا نسخة تحوى كتابة قديمة ومقرونة بالترجمة الألمانية فى اسفل الصفحة .

    حين جلست عند باب الحانة .
    أناء الألهة عشتار
    انا العاهرة الأم
    رغم أنك تسقوننى بالموت .
    انا ما تبحثون عنه
    انا ما وجدتموه
    وما نشرتموه
    والان تجمعون أشلائى المبعثرة

    غضت ماريا بريقها , وأخذ رالف يضحك . رجعت الى حيويتها المعهودة . وبدا الضوء يلتمع فى عينيها من جديد . من الأفضل أن يكمل رال فالقصة ويظهر لها الرسوم , ويستمر فى ان يشعرها بأنه محور أهتمامه .

    - لا أحد يعرف السبب الذى ادى الى اختفاء الدعارة المقدسة , بعد أن انتشرت مدة الفى سنة على الأقل . قد يكون السبب الأمراض أو المجتمع الذى عمل على تغيير قوانينه مع تغير الأديان . اختفت الدعارة المقدسة الى الأبد . فى أيامنا هذه , الرجال يحكمون العالم , وكلمة " عاهرة " تستخدم للنيل من كل امراة لا تتبع الطريق القويم .

    - هل بامكانك المجئ الى " كوباكابانا " غدا ؟

    لم يفهم رال ما يرمى اليه السول , لكنه وافق فى الحال .




    * * * * *













    وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها ذلك المساء , حين مشت حافية القدمين فى الحديقة الأنكليزية بجنيف :

    " قلما يهمنى أن يعاد أحياء الدعارة المقدسة ذات يوم . لكنى اكره ما افعله لانه يدمر روحى ويمنعنى من التقاء ذاتى , ويعلمنى ان الألم مكأفاة , وأن المال يشترى كل شئ , ويبرر كل شئ . لا أحد ينعم بالسعادة من حولى , لا الزبائن لأنهم يعرفون أنهم مجبرون على دفع المال مقابل أمر كان يمكن أن يحصلوا عليه مجانا , وهذا أمر محبط , ولا النساء لانهم يعرفن أنهم يبعن ما كن يرغبن فى ان يمنحنه بفرح ومحبة , وهذا الأمر مدمر .

    حاربت نفسى كثيرآ قبل أن أكتب هذه الكلمات وقبل أن اعترف وأقول اننى تعيسة وغير راضية . كنت فى حاجة الى الصمود بضعة أسابيع بعد . لكن لم يعد بأمكانى أن افعل ذلك بطمأنينة كما فى السابق , وكأن كل شئ طبيعى , أو كان ما يحصل مجرد مرحلة فى حياتى لا تلبث أن تزول . اريد أن انسى كل ذلك . أنا فى حاجة الى الحب , فقط الى الحب .

    الحياة أقصر أو أطول من أن اجيز لنفسى أن اعيشها على هذا الوجه البالغ السوء .


    * * * * *



    لم يكن اللقاء فى بيته ولا فى شقتها , لا فى البرازيل ولا فى سويسرا , بل فى فندق لا تنطبق عليه مواصفات المكان المحدد : أثاثه كأنه خارج حدود الزمن , وديكوره الأليف مختلف عن كل طابع معهود .

    لم يكن يشبه بشئ الفندق المطل على البحيرة الذى يذكرها بالألم والعذاب الممزوج باللذة . تشرف نوافذه على طريق مار يعقوب , وهى طريق يقصدها الحجاج سعيى وراء غايات شتى , لا تقتصر على طلب المغفرة والتكفير عن الخطايا فحسب , بل على جانبيها يتلاقى الناس فى المقاهى ويتحدثون ويتصادقون ويكتشفون " الضوء الكامن فيهم , بعدما كان محتجبآ عن بصائرهم , ويتحابون ....

    انها تمطر . الشارع مقفر فى هذه الساعة من الليل . لعل الطريق ترتاح الان من كل الأقدام التى عبرتها كل يوم على مر العصور .

    أشعل النور , واسدلت الستائر .

    طلب أليها أن تخلغ ملابسها وكذلك فعل . حتى الان لم يسبق لها ان رأته عاريا , كانت هى الوحيدة التى عرت جزءآ صغيرة من جسدها . كان ينبعث من القاعة نور خافت . ما لبثت عينا ماريا أن اعتادنا الضوء الخفيف المتسرى من مكان مجهول , واستطاعت ان تبصر قامة الرجل الذى تحبه .

    أخرج منديلان مطويان بعناية مغسولان بالماء ومجففان جيدآ حتى لا يبقى عليهما اثر لعطر أو لصابون . تقترب منه وتطلب اليه أن يعصب عينيها . يرمقهعا بنظرات حائرة ويردد كلمات مفادها أنه اجتاز الجحيم مرات عدة . تؤكد له أن كل ما تبتغيه هو العتمة الكاملة فقط بعيدى عن الجحيم , وانه جاء دورها لتعلمه شيئا , بعد ما علمها البارحة درسآ فى الألم . يطيعيها ويعصب عينيها . وهى تعصب عينيه . الأن , لم يعد هناك أى ضوء , انها العتمة الكاملة . يمسك أحدهما بالأخر ويمشيان حتى السرير .

    لا , لا يفترض بنا ان نستلقى او نتمدد . يجب ان نجلس منا نفعل دائمآ , وجها لوجه, ويتقرب أحدنا من الىخر حتى تتلامس ركبتانا .

    غير أنها رغبت دوما فى القيام بما تفعله الان ولم تتسن لها الفرصة , لا مع حبيبها الأول , ولا مع حبيبها الذى الذى أفقدها عذريتها , ولا مع العربى الذى تقاضت منه مبلغ الف فرنك وهو يؤمل النفس بأن تمنحه أقصى ما هى قادرة عليه – مع ان الألف فرنك مبلغ لا يكفى لتشترى ما كانت تشتهية – ولا مع الرجال الكثيرين الذين تناوبوا على اعتلاء جسدها وتزاحموا على استباحة فخذيها جيئة وذهابا , وهم أيانا لا يفكرون الا بأنفسهم , أو احيانا أخرى يسعون لكسب ودها أو أمتلاك قلبها , أما تسيطر عليهم أحلام رومنطيقية , واما تحركهم غريزة ممارسة العمل الجنسى تكرارآ , قبل لهم أنه ينبغى للرجل ان يتصرف على هذا النحو , وانه اذا انتهك هذه القاعدة فهو ليس برجل .

    تذكرت ماريا ما دونته فى يومياتها . لم تعد تستطيع الأستمرار فى ما تفعله . رغبت فى ان تمر الأسابيع التى تبقت لها فى سويسرا بسرعة . لهذا السبب بالذات , أى لأن الايام المتبقية هنا باتت معدودة , فأنها تمنح نفسها لهذا الرجل . هنا يكمن الضوء الذى يستنير به حبها السرى . ليست الخطيئة الأصلية فى ان حواء اكلت التفاحة , بل فى انها كانت بحاجة لكى تتقاسم مع أدم الأنفعالات التى أحست بها لحظة ارتكابها الفعل المحزم . خات حواء ان تواصل سلوط الطريق دون ان يساعدها أحد .

    ثمة أشياء لا يمكن تقاسمها مع أحد , وتبقى ملكنا وحدنا , وهى سر حريتنا . يجب الا نخاف من المحيطات التى اخترنا الغوص فيها بكامل ارادتنا , لأن الخوف يفسد اللعبة كلها , والأنسان يواجه الجحيم مرات عدة ليدرك هذه الحقيقة . لنحب بعضنا بعضآ , لكن لمنخل عن سعينا المتداول لأمتلاك بعضنا لبعض .

    أحب هذا الرجل الجالس قربى لأننى لا امتلكه ولأنه لا يمتلكنى . ليدنا الحرية الكاملة لأن يهب واحدنا نفسه لأخر . وعلى أن أعيد هذه الكلمات عشرات , مئات , لا بل ملايين المرات, الى ان اقتنع بها أنا نفسى , وتصبح يقينآ مرادفآ للحقيقة .

    فكرت بالعاهرات اللواتى يعملن معها , بأمها وبصديقاتها . جميعهن يعتقدن ان الرجال لا يعيشون الا من أجل الأحدى عشرة دقيقة فى اليوم , وأنهم مستعدون لأنفاق ما ملكت ايديهم للحصول على المتعة التى توفرها المضاجعة . لكن هذا غير صحيح , اذ يمتلك الرجل بعضآ من الأنوثة داخله ويتوق الى اللقاء الغرامى بحد ذاته ليضفى على حياته معنى جديدآ .

    أيعقل أن تكون أمها قد تصرفت مثلها خلال الممارسة الجنسية مع أبيها . فتظاهرت ببلوغ النشوة لم تبلغها فى الحقيقة ؟. ترى الا يزال محرمآ على أمرأة من داخل البرازيل أن تبوح بأنها استمتعت فى ممارسة العمل الجنسى وبلغت فيه ذروة النشوة ؟ تعرف ماريا أشياء قليلة عن الحياة والحب , لكنها الان تكتشف معصوبة العينين مصدر الأشياء كلها , هذا يبدأ كل شئ , حيث يفترض به أن يبدأ , حيث أحبت أن يبدأ .

    عندما تلامسا , فى العتمة الكاملة , نسيت العاهرة والزبائن وامها وأباها . كانت قد قضت فترة ما بعد الظهيرة نتساءل عما بامكانها ان تفعل لتسعد رجلا أعاد اليها كرامتها , وأفهمها أن البحث عن السعادة يفوق فى أهميته الأهمية التى نوليها للألم وضرورته فى حياتنا .

    اريد أن يجعلنى اكتشف شيئا جديدآ , لان هذا ما يسعده . بالأمس أظهر لى سر العذاب , وحكى لى قصة الدعارة والعاهرات , عاهرات الشارع والعاهرات المقدسات . يسعده أن يعلمنى . فليرشدنى اذن وليعاملنى . اريد أن اعرف كيف يبلغ الجسد نشوته قبل الروح , الأيلاج والمتعة .

    مدت ذراعها نحوه , وطلبت اليه أن يحذو حذوها . دمدمت بعض الكلمات , هذا المساء , فى هذا المكان المجهول المنسئ الذى لا طابع له , أريد أن يتلمس جلدى , وهو الحد الفاصل بينى وبين العالم .

    سالته أن يتحسسها بيديه , لأن الأجساد تتفاهم قبل الأرواح , أن يلمسها وتلمسه متجنبين المناطق المثيرة فى جسديهما , وكأنهما يتعقدان ذلك لكى يطيلا أمد الرغبة البطيئة المتمهلة , لا تلك التى تشعر فيها الطاقة الجنسية باندفاع لا رجوع منه .

    لامست أصابعه وجهها فاشتقت فيها رائحة الأصباغ , رائحة معاندة لا يستطيع ازالتها , حتى لو غسل يديه ملايين المرات , رائحة رافقته منذ الولادة , منذ أن لمح أول شجرة , أول بيت , ورسمها فى أحلامه . وهو أيضاً لا يدر أنه أشتم رائحة ما فى يديها , لكنها تجهل مصدرها , ولا تريد أن تعرف , لان كل شئ يصير جسدها فى هذه اللحظة , والباقى صمتآ . تتداعب جسده ويداعب جسدها , وبامكانها ان تبقى هكذا طوال الليل , لأن هذا ممتع ولذيذ ولا يفضى بالضرورة الى اى فعل جنسى . وفجأة , لأن الامر كذلك , لأنها حرة ولا تمارس ضغوط عليها ولا اكراه , أحست بحرارة تسرى بين فخذيها , وبأن عضوها رطب . بعد قليل , سيلامس عضوها ويجده رطبآ . ولا بأس أن كان ذلك جيدى أم سيئآ . المهم أن جسدها يتفاعل بهذه الطريقة , ولا تنوى ان تقود الرجل فى خطواته , كأن تقول له مثلا ألمسنى هنا أو هناك , بطريقة أبطأ أو بأيقاع أسرع ...

    ها ان يدى الرجل تتجهان الان الى تحت ابطيها فينتصب وبر ذراعها . تريد أبعاد يديه لانها تشعر بالألم . داعبته فى المكان ذاته . لاحظت أن ملمس البشرة تحت ابطيه مختلف تمامآ عنها, هل السبب مزيل الرائحة الذى يستعمله ؟ لكن ما بالها تفكر على هذا النحو ؟ يجب الا تفكر بشئ أطلاقا . يجب أن تلمس جسده بيديها ...هذا كل شئ .

    رسمت أصابعه دوائر حول نهدها , كما يرسم الحيوان المفترس الدوائر حول الفريسة التى يتربص بها . ودت لو تتحرك أصابعه بسرعة أكبر فتلامس حلمتها . تستبق أفكارها لمساته . لعله يتباطآ فى حركاته لكى يستفزها فتسرى اللذة على مهل مؤجلة الفعل الجنسى الى ما لا نهاية , تنتصب حلمتاها . يعبث بهما قليلا . يقشعر شعربدها ويذوب عضوها رغبة . يجيل الأن اصابعه ويمررها حول بطنها نزولا حتى ساقيها وقدميها . يدخل يديه بين ساقيها , ويتحسس حرارتها دون أن يقترب لمساته عذبة , خفيفية , ذات خفة هاذية .

    تعيد اللمسات التى مررها على جسدها الى جسده , تلامس يداها شعيرات ساقيه وتتحسس الحرارة المنبعثة من عضوه . ثم , وكأنها استعادت فجأة عذارتها بطريقة غامضة دفينة , أو كأنها تكتشف جسد الرجل لأول مرة , تلمس عضوه . كأن اقل صلابة مما تصورت , فيما عضوها رطب تمامآ . انها مفارقة غريبة , هل يحتاج الرجل لوقت أطول كى تستفيق شهوته ويبلغ انتصابه التام ؟ من يدرى !

    تتلمس جسده كما يمكن للعذارى وحدهن أن يفعلن ذلك . فالعاهرات نسين أصول المداعبة الحقيقية . يتأثر الرجل ويتضخم عضوه , فتزيد ماريا من الضغط بيديها . تعرف الان كيف يجب ان تلمسه – فى الأسفل بدلا من الأعلى – وكيف نطوق عضوه بأصابعها , وهى ترجع القلفة بعنف الى الوراء . بهتاج كثيرآ . يداعى شفرتى فرجها بالنعومة السابقة نفسها , فيما هى تتوق الان للمسة أكثر عنفآ , وأعمق توغلا , يمرغ بظرها بالقليل من الماء الذى انبجس من أحشائها , ثم يعود الى رسم الحركات الدائرية نفسها التى رسمها حول حلمتها . يداعب هذا الرجل كما لو كان أمرأة , كما كان يلبس جسدها ويتحسس أحاسيسها .

    صعدت أحدى يدى رالف من جديد الى نهدها . ما أعذب ما ينتابها من شعور باللذة ! ما أعظم شوقها الى عناقه فى هذه اللحظة . لكن لا . كل ما يفعلانه الان هو اكتشاف جسديهما فقط . ولديهما الوقت , كل الوقت ... لا شئ , يمنعهما من ممارسة الحب الان , انه لامر فى منتهى التلقائية والامتاع , لكنها تريد أن تكتشف شيئا جديداً , لذة متمهلة مختلفة , حضورآ مختلفى للجسد .

    لذا , يجب أن تستطير على نفسها لئلا تفسد كل شئ , وأن يكون لقاؤهما كما فى ذلك المساء , حين احتست معه الخمر على مهل . كانا يتلذذان بكل جرعة , وكانت الجرعات المتأنية البطيئة تبعث فى نفسها الداف , وتفتح لها افاقى وحرية , وتجعلها أكثر التصاقا بالحياة .

    ترغب فى احتساء هذا الرجل كما احتست تلك الخمر . عندئذ فقط , يمكنها الى الأبد , نسيان الخمر السيئة التى تتجرعها دفعة واحدة , فتسكرنا , ونستيقظ , من ثم , يقع متخشب وبثقوب فى الروح .

    توقفت لتشبك أصابعها بأصابع رالف . سمعت تأؤها , وكانت راغبة فى أن تتأوه بدورها , لكنها تماسكت وشعرت بالدفء يسرى فى انحاء جسدها , وأيقنت انه يشعر بالشئ نفسه . باتت تدرك أن الطاقة تنتشر فى الجسد دون بلوغ النشوة الجنسية , وتصل الى الدماغ . لم تعد ماريا تفكر فى شئ الا فى الذهاب حتى النهاية , مع أنها ترغب فى التوقف , التوقف فى منتصف الطريق , تمنت ان تترك اللذة أن تجتاح جسدها بالكامل حتى تبلغ أدراك روحها . فتوقظ فيها الرغبة الحقيقية الجامحة . تلك اللهفة , الثمرة النادرة للتورط العاطفى التى يمكنها وحدها أن ترجع لها عذريتها التى فقدتها .

    انتزعت ماريا المنديلين بهدوء , وأشعلت المصباح الموجود قرب السرير . كانا عاريين تمامآ . لم يبتسما . نظرا فقط احدهما الى الاخر ببساطة . فكرت ماريا " أنا الحب " , " انا الموسيقى " فلنذهب الى الرقص .

    لكنها لم تقل ذلك يتحدثان عن أشياء سخيفة . متى سنلتقى مجددآ ؟ نقترح موعدآ . بعد يومين ؟ يقولأنه يريد أن يدعوها الى معرضه , تتردد لان هذا يعنى دخوله عالمه الفتى والتعرف الى وسطه وأصدقائه . ترى ماذا سيقولون عنها ؟

    ترفض . لكنه يعرف أنها راغبة فى الذهاب . يصر على طلبه متذرعآ بحجج واهية تشكل جزءا من اللعبة . يحددد موعد اللقاء فى المقهى الذى تعارفنا فيه . لا , البرازيليون , متطيرون , يجب الا يلتقى الناس بعضهم بعضآ ثانية فى المكان الذى التقوا فيها لأول مرة , لان هذا يمكنه أن يسدل الستار على علاقتهم , ويضع حدآ لها .

    شعر بالغبطة لأنها لا تريد أن تقطع معه حلقة الأتصال . قررا الألتقاء فى أحدى الكنائس التى تشرف على المدينة وعلى طريق مار يعقوب , لكنها جزء من الحج الغامض الذى سلكا دربه منذ أن تعارفا .



    * * * * *


  4. #10

    افتراضي رد: 11 دقيقة , رواية 11 دقيقة , للكاتب بابلو كويلو

    وهذا ما دونته ماريا فى يومياتها عشية قررت ان تشترى تذكرة العودة :

    " كا ما كان , كان عصفور له جناحان رائعان بريشات براقة والوان رائعة . كان مخلوقآ ليحلق فى سماء الحرية , ويدخل المرور العظيم على قلوب هؤلاء الذين يراقبون تحليقه .

    ذات يوم , رأت أمراة هذا العصفور وفتنت به . شاهدته يطير مندهشة حتى حدود الانبهاء , وقلبها يخفق بجنون , وعيناها تلتمعان من شدة الانفعال . دعاها العصفور لمرافقته . وطار معآ وهما فى كامل الانسجام . كانت متيمة بالعصفور , تحتفى بجمالة طوال الوقت .

    لكن المرأة فكرت ذات يوم " ترى هل يتوق الى اكتشاف جبال بعيدى ؟ خافت , خافت أن يرحل والا تقع فى الحب مرة ثانية , احست بالغيرة , غارت من قدرة العصفور على الطيران .

    أحست انها وحيدة .

    فكرت فى المرة المقبلة , حين يظهر العصفور سأنصب له فخى وهكذا لن يتمكن من الطيران مجدداً .

    عاد العصفور , الذى كان هو آيضاً مفتونآ بها , لرؤيتها فى اليوم التالى , فوقع فى الفخ واحتبسته فى قفص .

    كل يوم , كانت المرأة تراقبه بشغف وتعرضه أمام صديقاتها فيتهتفن , ما أسعدك وما أوفر حظك ! ومع ذلك , بدأت الامور تتغير بشكل غريب , بما ان العصفور صار ملكها ولم تعد بحاجة لان تعمل على كسب وده , لم تعد المرأة تهتم به . والطائر الذى لم يعد فى امكانه التحليق والتعبير عن معنى لحياته , بدأ ريشه يذبل ويفقد بريقه , ويتحول جماله الى قبح . ولم تعد المرأة توليه اى اهتمام , بل اقتصرت عنايتها به على اطعامه وتنظيف قفصه .

    وذات يوم , مات العصفور , فحزنت المرأة للغاية , ولم تكن تكف عن التفكير فيه . لكنها لم تكن تتذكر قط القفص . تذكرت فقط اليوم الذى لمحته فيه لأول مرة , وهو يطير بعيدى محلقى فوق الغيوم .

    لو انها استجابت لدوافع مشاعرها كما ينبغى , لأدركت ان الشئ الذى اثار انفعالها عندما التقت العصفور كان حريته , والطاقة الكامنة فى جناحيه , وليس حسن شكله الخارجى .
    فقدت حياتها معناها عندما فقدت العصفور . وجاء الموت يقرع بابها .

    سألت المرأة الموت :
    - لم جئت .
    فأجاب :
    -لكى تتمكنى من الطيران معه مجددآ فى السماء , لو أنك تركته يرحل ويعود فى كل مرة . لكنت استطعت كسب وده , ولازداد أعجبك به اكثر فأكثر . من الان فصاعدا , انت فى حاجة الى لكى تقدرى على استعادته .

    * * * * *

    بدات ماريا نهارها بعمل كانت تهيات له منذ أشهر , للذهاب الى وكالة سفريات لشراء تذكرة العودة الى البرازيل , وفقآ للتاريخ الذى حددته على الروزنامة .

    لم يتبق لها , والحالة هذه , الأ أسبوعان فى أوروبا . بعدها تعود الى البرازيل وتغادر جنيف التى ستظل تشكل لها وجه رجل أحبته . أما شارع برن , فسنتقصر ذكراه على اسمه المرادف لعاصمة سويسرا . بالطبع , سنتذكر غرفتها والبحيرة واللغة الفرنسية وضروب الجنون التى يمكن أن تخطر على بال الفتاة فى الثالثة والعشرين ( احتفلت بذكرى مولدها البارحة ) , قبل أن تدرك أن هناك حدودى لهذا الجنون .

    لا تطمع فى أن تحتبس العصفور , أو أن تدعوه للعودة معها الى البرازيل . كان هذا العصفور أبهى ما صادفته فى هذه الحياة . لذا عليه أن يطير بحرية وأن يعيش على حنينه الى الجولات التى كان يقوم بها مع رفيقته , وهما يسبحان فى الفضاء الرحب . كانت ماريا هى أيضا عصفورة , وحضور رالف الى جانبها سوف يذكرها الى الأبد بمرحلة " كوباكابانا " التى باتت جزءا من ماضيها , وليس من حاضرها .

    قطعت عهدا على نفسها انها لن تقول له " وداعا . الا لحظة الرحيل لئلا تتعذب كلما خطر لها على بال . عما قريب لن اكون هنا . وهكذا ارادت ان تغافل قلبها فى ذلك الصباح , وهى تجتاز شوارع المدينة وكأنها تعرفها منذ الأزل , التلة , طريق مار يعقوب , جسر " مون بلان " الحانات التى اعتادت التردد اليها ... راقبت بنظرها طيور النورس وهى تحلق فوق النهر , وراقبت البائعين وهم يعيدون ترتيب بضائعهم , والناس يخرجون من مكاتبهم لتناول وجبات الغذاء , والطائرات تحط فى البعيد . لاحظت لون التفاحة التى كانت تأكلها , وقوس القزح يرتفع فوق الفوارة وسط البحيرة . قرأت فى عيون العابرين نظرات الفرح الخجول أو المقنع , نظرات الرغبة النظرات الفارغة من أى تعبير , النظرات ببساطة . عاشت سنة تقريبا فى مدينة من مدن كثيرة فى هذا العالم , فى مدينة لولا هندستها الخاصة ووفرة اللافتات فيها , لكانت اشبه بأى مدينة أخرى داخل البرازيل . رأت السوق والخدمات يساومن , واتلامذة يخرجون من مدارسهم قبل الأوان , ربما كانوا مزودين بعذر من أبيهم أو من أمهم المريضة , ليتنزهوا على ضفاف البحيرة , ويتبادلوا القبل . رات ناسى يشعرون أنهم فى ديارهم , وآخرين غرباء . رأت الصحف المثيرة للفضائح والمجلات المحترمة المخصصة لرجال الاعمال الذين , والحق يقال , لا يقرأون الا الصحف المثيرة للفضائح ...

    ذهبت ماريا الى المكتبة لتعيد الكتاب الذى استعارته والمتعلق بالادراة الزراعية . لم تفهم منه شيئا , لكنه ساعدها مع ذلك لتستعيد السيطرة على نفسها , بعدما كادت تفقدها . كما ساعدها على العودة الى ذاتها لتحديد هدفها الواضح فى الحياة . كان الكتاب رفيقى صامتآ , غلافه أصفر سميك ويحوى سلسلة من الرسوم البيانية . كان منارة تضئ لياليها القاتمة فى الأسابيع الأخيرة .

    فكرت انها تخطط دائماً لمشروعات المستقبل , ولكنها تصطدم دائمى بالحاضر . فكرت أيضاً بالطريقة التى اكتشفت عبرت نفسها , عبر الأستقلال واليأس والحب والألم , لكى تعثر من جديد على الحب , وكانت ترغب فى ان تتوقف عند هذا الحد .

    الأغرب من كل ذلك أنها فيما كانت بعض زميلاتها فى العمل يتحدثن عن المزايا والمتعة التى يجدنها فى مضاجعتهن الرجال , كانت تشعر , من ناحيتها , أن الجنس لم يوفر لها شيئا , لا جيدى ترجوه ولا سيئا تخشاه , ثم انها لم تستطع ان تحل مشكلتها , وهى عجزها عن بلوغ النشوة أثناء الأيلاج . أصبح الفعل الجنسى بالنسبة أليها مبتذلا للغاية , وأمرآ عاديآ جدى , بحيث أنها باتت شبه مقتنعة أنها لن تتوصل أبدى الى العثور على النار والسعادة التين طالما حلمت بهما خلال سعيها الا مجدى , واللتين لا يمكن اختبارهما الا عندما تتعانق الارواح التى كانت هائمة تفتش فى نشفها الأخر , حسبما يقول رالف .

    أو قد يكون السبب بكل بساطة هو استحالة وصولها الى النشوة دون الحب , كما كانت تؤكد الأمهات والأباء ورجال الأدب الرومنطيقى .

    كانت أمينة المكتبة ( وهى صديقتها الوحيدة التى لو لم تقل ذلك ) ذات مزاج طليق , بخلاف العادة . استقبلتها فى وقت تناول الغذاء , ودعتها الى تقاسم السندويش معها . شكرتها ماريا قائلة لها انها تناولت غداءها منذ قليل .

    - استغرقت قراءة هذا الكتاب وقتآ طويلا .
    - لم افهم منه شيئا .
    - هل تتذكرين الموضوع الذى سألتنى عنه مرة ؟

    لا , لا تتذكر , لكنها ما ان رات الأبتسامة الماكرة على محيا المرأة حتى فهمت قصدها "
    الجنس " .

    - هل تعرفين ؟ مد أتيت تبحثين عن كتاب مختص بهذا الموضوع حتى أمرت فريق العمل باجراء احصاء شامل لكل ما نملك فى بابه . لم يكن هناك الشئ الكثير . لكن , بما انه علينا العمل على تنشئة الشباب جنسياً , سعيت الى الحصول على عدة مؤلفات .

    وهكذا لن يحتاجوا للأستعلام عن الموضوع بالطريقة الأسوا , وهى معاشرة العاهرات على سبيل المثال .

    اشارت امينة المكتبة الى زاوية فيها كدسة من الكتب وجميعها يغلفها بعناية ورق بنى اللون .

    - لم يتسن لى الوقت لتصنيفها بعد , لكنى ألقيت نظرة سريعة عليها , وهالنى ما اكتشفته .

    حسنآ , راهنت ماريا على ما ستتطرق المرأة اليه " الوضعيات غير المريحة , السادية , المازوشسة ... فضلت ماريا الأدعاء بأنه حان الوقت لتعود الى عملها ( لكنها لم تذكر ما قالت للمرأة عن عملها : هل تعمل موظفة فى مصرف أم فى محل ؟ لأن الكذب فى اى حال يوجب على الذاكرة بذل المزيد من الجهود ) .

    شكرت أمينة المكتبة , وأشارت الى انها تريد الرحيل . لكن الأخرى قالت :

    - أنت أيضى ستصابين بالذعر مثلى , هل تعرفين مثلا أن البظر اكتشاف حديث ؟

    أكتشاف ؟ حديث ؟ ماذا تقول هذه المرأة . هل الأسبوع بالذات لامس أحدهم بظرها وبدا لها وكأنه موجود ها منذ الأزل , أو كأن يديه تعرفان غيبا الميدان الذى تتلمسانه بالرغم من العتمة الكاملة .

    - لم يعترف بوجوده رسميآ الا عام 1559 عندما نشر طبيب يدعى رونالدو كولومبو كتابا عنوانه ( De re anatonica ) ووصف البظر على انه شئ جميل ومفيد . هل تصدقين ذلك ؟

    أخذتا تضحكان .

    - وبعد سنتين اى عام 1561 , نسب طبيب أخر يدعى غابرييل فالوبيو الأكتشاف اليه . كان الطبيبان , وهما ايطاليان طبعا ومتفقان على الامور , يحاولان معرفة من منهم كان السباق فى ادخال البظر رسميآ الى تاريخ العالم . مهما اتسم هذا الحوار بالأهمية , فان ماريا لا تستطيع المضى به قدماً . أحست من جديد أن عضوها يصير رطبا ما ان تتذكر الملامسة والعصابتين واليدين اللتين مزتا على جسدها . لا , لم تقض حبآ بالجنس . ثمة رجل حررها من عبودية الجنس , بطريقة أو بأخرى . ما أعظم أن يكون هذا الرجل موجودآ , وحيآ يرزق .

    لكن أمينة المكتبة تحمست للموضوع وكأنها صارت خبيرة فيه :

    - حتى بعد ذلك الحين , استمر الناس يتجاهلون البظز ويحتقرونه . عملية استئصال البظر التى لا تزال تمارسها بعض القبائل الافريقية لتمنع على المرأة حقها فى المتعة , والتى يحكى عنها اليوم فى الصحف , ليست جديدة . هنا أيضآ , فى أوروبا كان الختان يمارس فى القرن التاسع عشر , وكان الناس مقتنعين بأن هذا العضو السخيف الناتئ فى جسد المرأة هو السبب فى الهستيريا والصرع وتسهيل الخيانة الزوجية والعقم .

    بسطت ماريا يدها لتستأذن بالأنصراف , لكن أمينة المكتبة لم تنه حديثها بعد :

    - والأسوأ من ذلك ان عزيزنا فرويد , مؤسس علم التحليل النفسى , كأن يؤكد أن اللذة الجنسية لدى أمرأة سليمة البنية يجب أن تنتقل من البظر الى المهبل . وعمل تلاميذه الأوفياء على تدعيم نظريته مدعين أن تمركز اللذة الجنسية حول البظر كان علامة عدم نضج , أو استعداد للثنائية الجنسية .

    ومع ذلك , فأننا نعرف جميعى أن من الصعب جدى الحصول على النشوة الجنسية فقط عبر الأيلاج من الجيد أن يمتلكنا رجل فى الفراش , لكن اللذة تكمن فى هذا البرعم الذى اكتشفه احد الايطاليين

    أحست ماريا انها مصابة بالنقص الذى شخصه فرويد , وان الجنس لديها لا يزال فى مرحتله الطفلية , ولم يتطور من البظر باتجاه المهبل ربما كان فرويد على خطأ !

    - والنقطة G * ما رأيك بها ؟
    - هل تعرفين أين تقع ؟

    علا وجه المرأة الأحمرار , ثم تنحنحت , لكنها تحمست للجواب , فقالت :

    - هناك عند المدخل , فى الطابق الأول , قرب النافذة , فى الزواية
    هذا التشبيه للمهبل بالمبنى أمر عبقرى ! لكأنه تشبيه طالع من الكتب التى تتناول التربية الجنسية المخصصة للفتيات , الممتلئة بالصور التى تمثل مجهولا يقرع على الباب وغايته أن يحملهن على اكتشاف أجسادهن بالذات وكلما كانت ماريا تستمنى , كانت تفضل هذه النقطة المشهور على البظر الذى كان يسبب لها تبلبلا ولذة ممتزجة بالقلق لذا كانت تذهب مباشرة الى الطابق الأول عند النافذة , فى الزواية .

    واذا أدركت ماريا أن المعلومات التى تريد أمينة المكتبة أعطاءها لا تنصب – ربما كانت تجد فى ماريا شريكة تساعدها فى فهم حياتها الجنسية المفقودة – أؤمات ماريا بيدها ورحلت .

    لم تكن لديها رغبة فى الرجوع الى " كوباكابنا " . ومع ذلك شعرت انها ملزمة بأنهاء عملها دون أن تفهم السبب . كانت قد اذخرت مالا بما فيه الكفاية , ويمكنها الذهاب فى فترة بعد الظهيرة لشراء حاجياتها , والتقاء مدير أحد المصارف وهو زبون لديها وعدها بتقديم النصائح بالنسبة للمال الذى ادخرته , وتناول فنجان قهوة , وارسال بعض الأمتعة التى لا تستوعبها الحقائب عبر البريد . لكنك الغريب فى الأمر انها شعرت بحزن غامض , لعله عائد الى انه لم يتبق لها الا فترة قصيرة فى أوروبا . وينبغى لها أن تستفيد من الوقت , وتنظر الى المدينة بعينين جديدتين , وتشعر بالرضى , لأنها عاشت فيها تجربة فريدة ..

    وصلت الى مفرق طرق تجاوزته مئات المرات , ومنه تستطيع النظر الى البحيرة والفؤارة , والى ساعة الأزهار فى الجهة الأخرى من الطريق وسط المنتزه . ساعة الأزهاء الكبيرة هى أحد رموز جنيف التى تقطع عليها الكذب لأن ....

    وفجأة , تجمد الوقت والعالم فى مكانهما ! ماذا تعنى قصة العذرية المستعادة التى فكرت فيها منذ ان استيقظت ؟

    بدت الحياة وكأنها تجمدت , أو كان عقارب الساعة توقفت عن الدوران . أدركت أنها أمام أمر هو فى غاية الجدية , أمر جوهرى لا يحق لها التغافل عنه او نسيانه , كما كانت تفعل مع أحلامها الليلية , فتعد نفسها بتدوينها , ثم لا تلبث أن تناسها عند الصباح .

    لا تلوى على شئ . لقد توقف الكون عن الحركة , فما الذى حدث ؟

    يكفى !

    العصفور , قصة العصفور التى دونته فىيومياتها , الا تنطبق على رالف هارت ؟ لا بل عليها ! ونقطة على السطر !

    كانت الساعة الحادية عشرة صباحآ , وقصتها تنتهى هنا . شعرت ماريا انها غريبة عن جسدها , وانها اعادت اكتشاف عذريتها , وأنها ولدت من جديد . لكن هذه الولادة واهية جدآ , بحيث أنها لو بقيت فى سويسرا لضاعت هذه الحالة الى الأبد . لعل ماريا عرفتالسماء , لكنها أكيدة انها احترقت بنار الجحيم , وأن المغامرة شارفت على النهاية . من المستحيل اذن انتظار اسبوعين أو عشرة أيام أو أسبوع .

    عليها ان تولى هاربة دون رجعة , لأنها حين نظرت الى ساعة الأزهار والسياح الذين يلتقطون الصور , والأولاد الذين يلعبون حولها , اكتشفت سبب حزنها . السبب هو التالى , لا تريد الرجوع الى البرازيل , والدافع لم يكنك رالف هارت ولا سويسرا ولا المغامرة . الدافع بسيط جدآ " المال " .

    المال ! أوراق خاصة ذات ألوان رصينة , والجميع متفقون أنها ذات قيمة بالغة . وقد كانت , هى أيضا , تؤمن بذلك , الى أن رجعت وفى حوزتها مجموعة كبيرة من الأوراق المالية التى أودعتها أحد مصارف سويسرا التقليدية , المتكتمة جدآ , وتساءلت " هل بامكانى أن احظى ببضع ساعات من السعادة فى حياتى ؟ فأجابتها نفسها " لا يا سيدتى , نحن لا نبيع , بل نشترى فقط " .

    خرجت مارا من هذيانها على صوت مكبح سيارة , كان السائق يعترض , والعجوز يبتسم وهو يطلب اليه بالانكليزية أن يتراجع , لأن الضوء الأحمر هو للمشاة .

    " أعتقد أننى أكتشفت امرآ مهما وعلى الجميع أن يعرفوه " .

    لكن لا احد يعرفه . نظرت من حولها . كان العابرون يتقدمون منخفضى الرؤوس , وهم يحثون الخطى متوجهين الى عملهم , اما الى المدرسة واما الى احدى وكالات التوظيف فى شارع برن . بدا وكأن كل واحد منهم يقول " بامكانى الأنتظار والتريث قليلا بعد . ليس ضروريا أن احقق حلمى اليوم . ينبغى لى أن اجمع المال أولا " .


    بالطبع , كان عملها ملعونآ , لكنه , فى العمق , كما سائر الأعمال , يقوم على حسن استغلال الوقت , كما يفعل الجميع , واحتمال ناس لا يحتملون كما يفعل الجميع , وتسليم جسدها الثمين وروحها الثمينة باسم مستقبل لن يأتى , كما يفعل الجميع , والأدعاء بأنها لم تجمع مالا بما فيه الكفاية كما يفعل الجميع , واقناع النفس بالتصبر قليلا كما الجميع , ثم الأنتظار للحصول على علاوة , وارجاء تحقيق الرغبات بحجة أنها فى الوقت الحالى منشغلة جدآ , فالزبائن فى انتظارها ويستطيعون أن يدفعوا لها مبلغا يرواح بين ثالاثمائة فرنك والف فرنك فى الليلة الواحدة .

    لكن , للمرة الأولى فى حياتها , ورغم كل الأغراءات المادية وما يمكن للمال أن يوفره لصاحبه من كفاية حاجة ورغد عيش – فمن يدرى اى ثروة تستطيع أن تجنى فى سنة واحدة فقط – قررت ماريا بكل ما فى داخلها من وعى واستنارة بصيرة وحزم أن تدع الفرصة تمر دون ان تنتهزها .

    انتظرت حتى اذن لها بالمرور – تجاوزت الطريق وتوقفت أمام ساعة الأزهار . فكرت برالف . أحست من جديد بنظرته التى كانت تنضح شهوة فى المساء الذى عرت فيه جزء من صدرها . احست بيديه تلمسان نهديها وعضوها ووجهها . نظرت الى الفؤارة الهائلة فى البعيد . ومن دون أن تلمس جزءآ واحدآ من جسدها , ومن دو ن أن تلتمس جزءآ واحدآ من جسدها , بلغت النشوة هنا , امام الجميع .

    أن أحدآ لم يلاحظ . كانوا جميعى متشغلين بأمورهم , منشغلين كثيرآ .

    ما ان دخلت ماريا الحانة حتى نادتها نيا , وهى الزميلة الوحيدة التى كانت تقيم معها علاقة وصفها بأنها " صداقة " . كانت جالسة الى جانب رجل بدت عليه سمات أهل الشرق وكان يضحكان معآ .

    قالت نيا :

    - انظرى , انظرى ماذا يريد أن افعل به .

    وجه الرجل نظرة متواطئة , وعلت شفتيه ابتسامة واسعة . رأت ماريا علبة مزخرفة تشبه تلك التى توضع فيها السيجار . نظرت الى داخل العلبة من بعيدة لترى ما اذا كانت هناك حقن أو مخدرات . لا شى من هذا , فقط جهاز لا يفهم الرجل نفسه كيفية تشغيله كما يجب .

    قالت ماريا :

    - لكأنه شئ من القرن الماضى .

    هز الرجل رأسه موافق, لكنه أستاء من هذا التعليق الذى يكشف عن جهل تام بالموضوع .

    - هذه العلبة تعود الى أكثر من مئة سنة , وقد كلفتنى ثروة . كانت العلبة عبارة عن نقبض مدور للجهاز ومجموعة من المصابيح والموصلات الكهربائية المزودة بمفاتيح معدنية صغيرة وبطاريات . وهى تشبه مذياعآ قديمى , وكانت مزودة بسلكين كل من طرفيهما موصول بقضيب صغير من الزجاج بحجم الأصبع . لا شئ من هذا يكلف ثروة !

    - كيف يعمل هذا الجهاز ؟

    ابدت نيل انزعاجها من سؤال ماريا , مع أنها كانت تث بالبرازيلية . كانت تعتقد أن الناس يتغيرون فى لمحة بصر , وان ماريا تفكر فى أن تسرق منها زبونها !

    قالت نيا :

    - سبق أن شرح لى , أنه " القضيب البنفسجى " .

    ثم ألتفتت الى الرجل , واقترحت عليه أن يذهبا , لا سيما وأنها وافقت على دعوته لها . لكن الرجل بدا متحمسا للأهتمام الذى اثارته لعبته .

    - فى عام 1900 عندما بدات أولى البطاريات تنتشر فى السوق . ضاعف الطب التقليدى من التجارب التى تستخدم الكهرباء ليرى ما اذا كانت تستطيع معالجة الأمراض العقلية أو الهستيريا . واستعملت ايضا فى التخلص من البثور فى الوجه , واضفاء الحيوية على البشرة . هل ترين هذين السلكين على الطرفين ؟ كانا يوضعان هنا – واشار الى صدغيه – فتفرغ البطارية شحنة سكونية كتلك التى نشعر بها عندما يكون الهواء جافا جدآ .

    لم تكن الشحنة السكونية موجودة فى البرازيل , لكنها منتشرة جدآ فى سويسرا , وقد اكتشفتها ماريا ذات يوم عندما فتحت باب سيارة التاكسى فسمعت اصطفاقا وأحست بصدمة .

    أعتقدت أن فى السيارة عطلا , فاعترضت قائلة أنها لن تدفع الأجرة فبادرها السائق بالكلام الجاف ووصفها بالجاهلة . كان على حق . لم تكن السيارة السبب بل الهواء الجاف جدى . أخذت ماريا , اثر عدة حوداث من هذا القبيل , تتجنب ملامسة المواد المعدنية , الى اليوم الذى عثرت فيه فى " السوبر ماركت " على سوار قادر على التخفيف من الشحنة الكهربائية المختزنة فى الجسم .

    التفتت الى الرجل الشرقى , قائلة :

    - لكن هذا مزعج للغاية !

    نفذ صبر نيا بسبب تعليقات ماريا , فطوقت بذراعيها كتفى الرجل وكأنها تتظاهر بالاستئثار به .

    قال الرجل وهو يضحك :

    - هذا يتوقف على المكان الذى تجرى معالجته بواسطة هذا الجهاز .

    أدار المقبض الصغير وبدا القضيبان يتخذان لونى بنفسجيآ ثم بحركى خاطفة , وضعهما على جسيد الفتاتين , فحصلت فرصعة , لكن الصدمة لم تسبب ألما بل ما يشبه الحكاك .

    اقترب ميلان وقال :

    - لا تفعل هذا من فضلك ؟

    فأعاد الرجل ترتيب القضيبين فى العلبة . أعتنمت الفيليبينية الفرصة , واقترحت عليه الذهاب فى الحال . بدت على وجه الرجل علامات الخيبة , لأن الوافدة الجديدة كانت تهتم بالقضيب البنفسجى أكثر من المرأة التى تدعوه الأن الى الذهاب . ومع ذلك , لبس سترته ووضع العلبة فى محفظة جلدية , وقال :

    - فى أيامنا هذه , نصنع أجهزة جديدة . وهذا أصبح رائجا لدى الناس الذين يبحثون عن ملذات مبتكرة . لكن النموذج الذى رأيته فريد من نوعه تقريباً , ولا نجده الا فى مجموعات طبية قديمة , او فى المتاحف , او عند بائعى التحف القديمة .

    بقى ميلان وماريا صاميتن ولا يعرفان ماذا يقولان .

    - هل رأيت مثل هذا النموذج ؟
    - لا . لابد أن هذا كلف ثروة . هذا الرجل موظف ادارى كبيرفى شرطة للنفط . لكنى رأيت أجهزة أخرى أحدث منه .

    - كيف يتم استعمالها؟
    - يضعها الرجال على أجسادهم ... ويطلبون من المرأة أن تدير المقبض ويشعرون بالصدمة من الداخل .
    - الا يمكنهم أن يفعلوا ذلك بمفردهم ؟
    - فى ما يتعلق بالجنس , يمكننا القيام بكل شئ بمفردنا , لكنك من الأفضل أن يستمر الناس فى اقتناعهم بأن اللذة تكون اكبر اذا كان هناك شريك , والا فان حانتى ستقفل , وأعلن أفلاسى , وتذهبين للعمل عند بائع الخضر . تذكرت زبونك قال انه سيأتى هذا المساء , فارفضى كل دعوة أخرى من فضلك .

    - سارفض بالتأكيد , وبما فيها دعوته . أتيت فقط لأودعكم . أنا راحلة .

    لم يبد على ميلان أنه ستقبل الصدمة بسهولة :
    - هل الرسام هو السبب ؟
    - بل " كوباكابانا " هناك حد للأمور , وقد بلغته هذا الصباح أمام ساعة الأزهار قرب البحيرة .
    - وما هو هذا الحد ؟
    - ما يكفى لشراء مزرعة فى المنطقة الداخلية من البرازيل . اعرف أن بمقدروس أن اربح مالا أوفر اذا عملت لعام أضافى . لكن , هل تريد أن تعرف الفرق بين أن ابقى لعام اضافى , أو أن ارحل قريبت ؟ الفرق هو أننى سأبقى دائمآ فى هذا الفخ . كما انت باق مع الزبائن والموظفين الكبار ومفوضى الحكومة ومستخدمى الموظفين الكبار ومديرى مؤسسات الأسطوانات وكل الرجال الذين عرفتهم وبعتهم وقتى , ولا يقدرون أن يعيدوه لى . لو بقيت يومى واحدآ بعد فسأبقى عامى كاملا , واذا بقيت عاما كاملا , فلن أخرج من هان ابدى .

    هز ميلان رأسه موافقآ , دون أن يقول كلمة , أو يعلق على الموضوع , لأن العدوى يمكن أن تنتقل من ماريا الى الفتيات اللواتى يعملن عنده . لكنه كان رجلا طيبا . صحيح أنه لم يمنحها بركته , لكنه لم يفعل شيئا لاقناع البرازيلية بالعدول عن قرارها .

    طلبت احضار شراب لها : كاس شمبانيا , لانها لم تعد تحتمل كوكتيل الفواكه . الأن تستطيع أن تتتناول كاسا لانها لم تعد فى الخدمة . قال لها ميلان أنها تستطيع الاتصال به اذا احتاجت الى شئ , وبانها ستحل دوما على الرحب والسعة .

    ارادت أن تدفع ثمن الكاس , لكن ميلان اعترض قائلا . انها هدية من الحانة الى من ساهمت فى ازدهارها . اذعنت ماريا لطلبه . لقد أعطت هذه الحانة أكثر من ثمن تلك الكأس .
    * * * * *

    ما دونته ماريا فى يومياتها ما ان رجعت الى بيتها :

    " لا اذكر متى . ذات أحد , قررت أحدى الكنائس , لأحضر رتبة القدس . بعد انتظار طويل , وأدركت لاحقآ أننى لم أكن فى المكان الصحيح , كان المعبد كنيسة بروتستنانية .
    كنت سأخرج عندها عندما بدأ أحد القساوسة عظته . وفكرت أن من غير اللائق أن أفعل . كانت هذه خطوة مباركة , لأنى سمعت فى ذلك النهار أشياء بحاجة ماسة الى سماعها .

    " هناك مثل مأثور وهو متداول فى جميع لغات العالم . يقول : بعيد عن العين , بعيد عن القلب . أؤكد لكم أن هذا القول خاطئ تماما . كلما بعدنا , استيقظت المشاعر التى نحاول تناسيها وسلخها من القلب . عندما نكون فى المنفى , نسعى لأن نحتفظ عن الكائن المحبوب , تتذكره عبر كل انسان يمر بنا فى الشارع .

    أن الأناجيل والنصوص المقدسة فى جميع الديانات كتبت فى المنفى , وجميعها سعت الى فهم الله وترسيخ الأيمان الذى يجعل الشعوب تتقدم , ويجعل الأرواح الهائمة على وجه الأرض تسعى فى دروب الحج . لم يكن أجدادنا يعرفون , ولا نحن أيضآ . ماذا يتوقع الله منهم ومنا فى حياتنا . فى المنفى , كتبت المؤلفات ورسمت اللوحات , لأننا لا نريد ولا تستطيع أن تنسى من نحن .
    فى نهاية الرتبة , ذهبت الى القس , وعبرت له عن امتنانى , قلت له أننى غريبة فى بلد غريب وشكرته لانه ذكرنى بأن ما لا تراه العين يراه القلب . هذا ما شعرت به عميقآ , ولهذا قررت الرحيل .
    * * * * *


    أمسكت ماريا بالحقيبتين ووضعتهما على السرير . تخيلت انها ستملؤهما هدايا وملابس جديدة وصورى عن المناظر وصورآ عن المناظر الثلجية والعواصم الأوروبية الكبيرة , وهى ذكريات تعيدها الى زمن سعيد , خين عاشت فى البلد الأكثر أمانا وكرما فى العالم . صحيح أن لديها بعض الملابس الجديدة وبعض الصور عن الثلج الذى تساقط يومى على جنيف . لكن , فيما خلا هذا , جرت الامور عكس ما كانت تتوقع .

    جاءت الى هنا , وهى تحلم بان تجمع المال الكثير , وان تتدرب على مواجهة الحياة , وتكتشف هويتها الحقيقية , وتجد زوجا وتدعو عائلتها لزيارتها فى بيتها . كانت ماريا ترجع الى البرازيل وفى جعبتها المبلغ الكافى بالضبط لكى تحقق حلمها . وتحشرت لأنها لم تزر بعد الجبال , ولانها تعود . وهذا أسوا ما فى الامر , غريبة عن نفسها . لكنها كانت سعيدة , لانها عرفت متى يجدر بها أن تتوقف عن مواصلة عملها , ونفذت القرار .

    قليل من الناس يعرفون متى يجدر بهم التوقف ....

    خاضت أربع مغامرات فقط , الرقص فى الملهى , وتعلم الفرنسية , والعلم فى الدعارة والوقوع فى غرام رجل الى حد الجنون . كم من الناس يستطعيون التباهى بهذا المقدار الذى لا يستهان به من الأنفعالات فى مدة سنة واحدة ! كانت سعيدة رغم حزنها . كان لهذا الحزن اسم , ليس الدعارة ولا سويسرا ولا المال , بل رالف هارت .

    كانت تود لو تتزوج به , حتى لو لم تعترف بذلك فى سريرتها . وهو سينتظرها فى الكنيسة , حيث تواعدا , وسيظهر لها رسومه . ويعرفها الى أصدقائه , والوسط الذى يحيا فيه .

    عزمت على الأ تذهب الى الموعد , بل أن تنزل فى احد المطاعم قرب المطار . لأن طائرتها تقلع غدا صباحى . ابتداء من هذه اللحظة , ستكون كل دقيقة تقضيها الى جانب رالف . وكأنها سنة من الألم الأتى من كل ما كان بامكانها أن تقوله ولم تقله , من الذكريات , يداه , صوته , حكاياهع , دعمه لها .

    فتحت من جديد حقبيتها , وأخرجت منها الحافلةالكهربائية التى قدمها اليها فى المساء الأول حين ذهبت الى بيته . تأملتها لبضع دقائق . ثم رمتها فى سلة المهملات . هذه الحافلات لا تستحق أن تتعرف أن البرازيل , لانها كانت ظالمة وغير نافعة للصبى الذى رغب دومآ فى أن يلهو بها .

    لا , لن تذهب الى الكنيسة . سيطرح عليها أسئلة , واذا أطلعته على الحقيقة وقالت له انها راحلة , سيطلب اليها البقاء , ويعدها بأى شئ شرط الا يفقدها . وسيلعت لها حبه الذى أظهره لها فى كل دقيقة قضياها معآ . لكنهما تعلما أن يمارس كل منهما حريته المطلقة . وهذا هو السبب الذى أدى الى نجاح علاقتهما , أى انهما لم يكونا محتاجين أحدهما الى الأخر . يخاف الرجال دائمآ عندما تقول لهمأمرأة " أريد أن الأرتباط بك " . كانت ماريا ترغب فى أن تحتفظ , عن رالف بصورة العاشق الذى وهب نفسه لها بكليته , وأظهر استعداده ليفعل كل شئ من أجلها .

    لا يزال أمامها الوقت كى تقرر ما اذا كانت ستذهب الى الموعد أم لا . الأن عليها أن تحصر اهتمامها بأشياء أكثر عملية . رأت أن معظم أمتعتها لا تزال خارج الحقائب , وانها حائرة بخصوص الأشياء التى يحب أن تسبقيها . فى أى حال ثمة أشياء لا تستطيع حملها فى الحقائب , وستترك لمالك الشقة أن يتخذ القرار بشأنها " كالأدوات الكهربائية المنزلية واللوحات التى اشترتها من سوق التحف والمناشف والشراشف . من المستحيل أخذ كل هذا معها الى البرازيل , حتى لو كان أهلها محتاجين الى هذه الأغراض أكثر من المتشول السويسرى , ثم أنها ستذكرها على الدوام بالمعامرة التى خاضتها .

    غادرت المقهى . ذهبت الى المصرف وطلبت بأن تسحب كامل المبلغ الذى أودعته هناك . قال لهاه المدير : الذى كانت على علاقة حميمة به , أن ما تقوم به ليس فى مصلحتها , وأن هذه الفرنكات يمكن أن تدر عليها مالا مع أمكانية تحويلها الى مكان اقامتها لاحقآ فى البرازيل . ثم ماذا لو سرق منها هذا المال . كم من الأشهر التى عملت خلالها سيذهب جناها سدى ! ترددت ماريا للحظة , كما هى عادتها , وفكرت فى أن هذا الرجل يريد مساعدتها حقآ لكنه , بعدما أمعنت فى الأمر قليلا , استنتجت أن الهدف من هذا المال هو أن يتحول الى مزرعة وبيت أهلها , مع بعض بهائم وكثير من العمل , وليس أن يبقى أوراقا نقدية .

    سحبت من المصرف كامل المبلغ , حتى أخر فلس . ووضعته فى حقيبة اشترتها خصيصآ للمناسبة , وربطتها بحزامها تحت ملابسها .

    ذهبت الى وكالة السفريات , وهى تصلى لكى يمنحها الله الشجاعة للذهاب بعيدآ . عندما أرادت أن تأخذ تذكرتها , قالوا لها هناك أن الطائرة ستووقف غدا فى باريس, وأن ركابها سيستأنفون رحتلهم على متن طائرة بديلة . لا يهم , المهم أن تبتعد من هنا قبل أن تبذل رأيها .

    مشت حتى الجسر , واشترت مثلجات مع أن البرد كان قد عاد مجددآ الى جنيف , وأخذت تراقب المدينة . عندئذ بدا لها كل شئ مختلفا , وكأنها لا تزال واصلة للتو , وتتهيأ لزيارة المتاحف والأثار التاريخية والحانات والمطاعم الرائجة . أمر غريب , أننا عندما تسكن فى مدينة فاننا نؤجل أكتشافها الى وقت لاحق , وتظل على جهلنا لها .

    قالت فى نفسها ان عليها أن تكون سعيدة بالرجوع الى ديارها , لكنها لم تستطع ذلك , فكرت أيضاً أنها لابد وأن تكون حزينة , لأنها تغادر مدينة تحترم ساكنيها , ولم تستطع قبول ذلك الواقع . تركت بعض الدموع تنساب من عينيها , خافت من نفسها . كانت الفتاة الذكية التى تملك كل المواصفات لتنجح , لكنها تقوم دومآ باتخاذ القرارات السيئة .

    وتمنت من كل قلبها ألا تقوم بأتخاذ قرار سيئ هذه المرة .



    * * * * *




  5. #11

    افتراضي رد: 11 دقيقة , رواية 11 دقيقة , للكاتب بابلو كويلو

    عندما دخلت , كانت الكنيسة مقفرة تمامآ . واستطاعت أن تتأمل بصمت الزجاجيات التى تنيرها سماء أجلت غيومها العاصفة التى هبت فى الليلة الفائتة . أمامها مديح وصليب بلا مصلوب , ليس الصليب هنا وسيلة عذاب تحمل رجلا تحتضر , بل رموزآ للقيامة التى يغيب معها كل معنى للعذاب وما يتضمنه من هول ورهبة تذكرت ذلك السوط فى الليلة العاصفة . أحست أنه مماثل للصليب " يا ألهى , ماذا دهانى كيف لى أن أفكر بهذا ؟ " .

    كانت سعيدة لأنها لم تر فى الكنيسة صورآ لقديسين يتألمون وأثار الدم والجراح بادية عليهم . كانت الكنيسة مكانآ يجتمع فيه الناس , ليعيدوا اليها يتجاوز حدود أدراكهم .

    توقفت أمام بيت القربان , حيث يحتفظ بجسد يسوع الذى تؤمن به , مع أنه لم يشغل من أفكارها حيزا مهما . جئت على ركبتيها , وتعهدت لله والعذراء مريم ويسوع وجميع القديسيين أنه مهما يحصل لها هذا النهار فلا شئ سيمنعها من تغيير رأيها . وأنها سترحل فى جميع الأحوال . وقد تعهدت لله بذلك , لأنها تعرف جيدآ خطورة أفخاخ الحب القادرة فى أى لحظة على تغيير أرادة أمرأة .

    ما أن مضت دقائق حتى شعرت بيد على كتفيها . أحنت رأسها حتى كادت تلامسها .

    - كيف حالك ؟
    - عظيمة . لنذهب ونتناول فنجان قهوة .

    خرجا وهما يضعان بدأ فى يد مثل حبيبن يتلاقيان بعد طول فراق . تبادلا القبلات علنا , ونظز اليهما بعض المارة وهم مصدومون . أبتسما كلاهما للاستياء الذى اثاره تصرفهما , وللرغبات التى أيقظاها بقبلاتهما , وهما يعرفان جيدى أن هؤلاء الناس لو يودون لو يقومون بالئ نفسه , على الرغم من أن الأمر يعتبر بمثابة فضيحة .

    دخلا مقهى شبيهآ بكل المقاهى المألوفة , لكنه بدا مختلفا فى هذا اليوم . لأنه يضم حبييبن جمع بينهما الحب . طفقا يتحدثان عن جنيف ومصاعب اللغة الفرنسية وزجاجيات الكنيسة ومضار التدخين , مع أنهما كانا يدخنان وليس لديهما اطلاقا نية التخلى عن هذه العادة السيئة .

    أصرت على أن تسدد الحساب , فوافق . ذهبا الى حيث كان يقام معرض رالف . وهناك تعرفت ماريا الى الفنانين والأغنياء الذين يبدون أكثر ثراء مما هم , وأيضا أصحاب الملايين الذين يبدون أكثر فقرآ , والجمهور الذى يطرح الأسئلة عن اشياء لمتسمع بها من قبل . كان الجميع يقدرون حضورها وأعربوا عن أعجابهم بفرنسيتها , وسألوها عن الكرنفال وكرة القدم والموسيقى فى بلادها . كانوا كلهم مهذبين ولطفاء وودوين وساحرين .

    عندما خرجا . قال لها انه سيذهب لرؤيتها فى " كوباكابانا " . توسلت اليه ألا يفعل , لأنها حرة هذا المساء , وتريد أن تدعوه الى العشاء . وافق على الدعوة , وقبل أن يفترقا , حذنا مكان العشاء فى مطعم جميل يقع فى ساحة كولونى الصغيرة .

    عندئذ تذكرت مارا صديقتها الوحيدة , وقررت أن تزور امينة المكتبة لتقول لها وداعآ .

    بقيت محتبسة بسبب زحمة السير وقتا طويلا , حتى انتهى الأكراد ( للمرة الثانية ) من التظاهر , وتمكنت السيارات من معاودة السير بشكل طبيعى . لكنها الأن , وقد عادت سيدة وقتها , فلا أهمية لكل ذلك .

    قالت أمينة المكتبة لماريا ما ان دخلت .

    - قد أبدو لك ودودة أكثر من اللازم , لكن ليس لدى صديقة أخرى أعهد اليها باسرارى سواك .

    هل هذا معقول ؟ ليس لديها اصدقاء , بعد أن قضت حياتها فى المكان نفسه , وكانت تقابل عددآ غفيرآ من الناس كل نهار .. هل من المعقول ألا يكون لديها صديق تتحدث اليه , وتبوح له بمكنونات قلبها ؟ وأخيرى عثرت ماريا على واحدة مثلها , واحدة مثل الجميع .

    - أعدت التفكير فيما قرأته عن البظر .
    - من جديد ! اليس ممكنا التحدث فى موضوع أخر ؟.
    - أدركت أننى كنت أشعر بلذة كبيرة فى جميع علاقاتى بزوجى , لكن كانت لدى مشكلة فى أن أبلغ النسوة خلال الأيلاج . هل تجدين هذا طبيعيآ ؟

    - هل تجدين طبيعيآ أن يتظاهر الاكراد كل يوم مثلا ؟ وأن تهرب النسوة العاشقاتمن فرسان أحلامهن ؟ وأن يحلم الناس باستثماء الأراضى بدل التفكير فى الحب ؟ وأن يبيع رجال ونساء وقتهم دون أن يتمكنوا من شرائه بالمقابل ؟ ومع ذلك فهذا موجود . لا فرق أن كان ما أفكر فيه صحيحاً أم لا . المهم أن هذا يصبح طبيعيآ كيفما تبدلت الأمور . يصبح كل ما هو مخالف للطبيعية ومخالف لرغباتنا الأكثر عمقآ , أمرآ طبيعيآ فى أعيننا , حتى لو بدا ذلك ضلالا وزيغآ فى عين الله . نحن الذين فتشنا عن جحيمنا , وبنيناه بأيدينا خلال ألاف السنين التى مرت , وبذلنا لهذا الهدف كل جهودنا الممكنة . لذا حياتنا جحيم , لأننا نعيش عكس الحياة وقوانينها الطبيعية .

    نظرت ماريا الى أمينة المكتبة . ولأول مرة سألتها عن اسمها ( لم تكن تعرف الا اسمها الزوجى ) . كان اسمها هايدة , متزوجة منذ ثلاثين سنة , لكن لم يسبق لها , ولو مرة واحدة , أن سآلت أن كان طبيعيآ الا تبلغ النشوة أثناء ممارسة الجنس مع زوجها .

    - لا أعرف ان كان جيداً أن أقرى كل ذلك ! ربما كان من الأفضل أن أبقى جاهلة , وافكر أن زوجى وفيآ وشقة تطل على البحيرة , ووظيفة فى المكتبة , هى كل ما تحلم به أمرأة . منذ أتيت الى هنا وبدأت قراءاتى عن الموضوع , انتابنى القلق بشان ما فعلته فى حياته , هل الجميع هكذا ؟

    قالت ماريا , وهى تشعر أنها ممتلئة حكمة أمام هذه المرأة التى تتوسل نصائحها :

    - أوكد لك أنهم كذلك .
    - هل ترغبين أن أتطرق الى التفاصيل ؟

    وافقت ماريا بأشارة من رأسها .

    - لا شك أنك مازلت شابة ويصعب عليك فهم هذه الأشياء . ولهذا السبب بالضبط , اردت ان اروى لك قصتى , لكى تتجنبى الأخطاء التى وقعت فيها .

    لماذا لم يكن زوجى يهتم قط ببظرى ؟ كان يظن أن النشوة المهبلية , وكان يشق على , يشق على كثيرآ أن أصطنع انفعالا لابد لى أن أشعر به بحسب رأى زوجى . لا شك أننى كنت أشعر بلذة لكنها لذة مختلفة . فقط عندما يكون الأحتكاك فى المنطقة العليا ... هل تفهمين ؟

    - افهم
    - الان عرفت السبب.

    ثم أضافت , وهى تشير ال كتاب موضوع على الطاولة , ولم تستطع ماريا قراءة عنوانه :

    - هناك حزمة من الأعصاب تمتد من البظر حتى النقطة g , هى الطاغية . لكن الرجال يعتبرون ان المسألة كلها تتعلق بالأيلاج . هل تعرف ما هى النقطة g ؟

    فأجابتها ماريا وهى تقوم بدور الفتاة الساذجة البرئية :

    - تحدثنا عنه فى المرة السابقة " النقطة g " هى عندما تدخل الى الطابق الأول , عند ,النافذة , فى الزواية .

    - نعم , نعم !

    ثم أضافت المرأة , وقد أشرقت عيناها .

    - هل فكرت مرة كم من الأصدقاء تحدثوا اليك عن هذا الموضوع ؟ لا أحد , ويمكنك التأكد من ذلك بنفسك . أمر غير معقول ! كان البظر اكتشاف ذاك الطبيب الأيطالى . أما النقطة g , فهى اكتشاف عصرنا . وعما قريب سيجرى الكلام عنها فى جميع العناوين الكبيرة فى الصحف والمجلات , ولا احد يستطيع تجاهل دورها . هل تتخيلين أى مرحلة ثورية تعيش فيها ؟

    نظرت ماريا الى ساعتها , وأدركت هايدى ان عليها الاسراع فى تعليم هذه الفتاة الجميلة , وافهامها ان النساء يملكن كل الحق فى ان يكن سعيدات ومنفتحات جنسيآ . ارادت ان يفيد الجيل المقبل من هذه الأختراعات العلمية المدهشة :

    - أعتقد الدكتور فرويد أن لذتنا هى بالضرورة كامنة فى المهبل , كما أن لذة الرجال تكمن فى الأحليل . لكن يجب العودة الى الأصل , الى المنطقتين اللتين منحتانا اللذة على الدوام , وهما البظر والنقطة g ! قليلات جدى هن النسوة اللواتى يتوصلن الى أقامة علاقة جنسية ترضيهن , وتجعلهن يشعرن بالأكتفاء فعلا ,. لكن اسمعينى , سأعلمك شيئا فى غاية الأهمية , اقلبى الوضعية خلال الممارسة , فليمتدد شريكك , ولتصعدى فوقه , عندئذ سيحتك بظرك بعانتى فتحصلين على الأثارة اللازمة , الأثارة التى تستحقينها !

    تظاهرت ماريا بأنها لا تولى الحديث اهتماما , ليست الغلطة غلطتها اذن . وكل القصة متعلقة بالتركيب الداخلى لأجزاء الجسم ! رغبت فى أن تقبل أمينة المكتبة لأنها شعرت أنها تحررت من حمل ثقيل جدآ . ما أحسن هذا اليوم الذى قامت به بهذا الأكتشاف , وهى لا تزال شابة , ولديها كل الحياة لتنعم بها ! ما هذا اليوم الرائع ! .

    ابتسمت هايدى ابتسامة المتأمرة وقالت :

    - هم لا يعرفون ان عضونا أيضا ينتصب .

    " هم " اى الرجال ... عندئذ تشجعت ماريا وأرادت أن تطرح على المراة سؤالا حميما جدآ :

    - هل كانت لك علاقة خارج أطار الزواج ؟

    كان السؤال بمثابة صدمة لها . انبثقت من عينيها نار قدسية , وعلا وجهها الاحمرار , لم يعرف ان كان بسبب الغضب أم الخجل ؟ . ثم , بعد ان انتهى الصراع بين رغبتها فى الاعتراف ورغبتها فى اصطناع هيئة مستنكرة , قالت وهى تحاول تغيير الموضوع :

    - لنرجع الى موضوع الانتصاب . البظر أيضا ينتصب , هل تعرفين ذلك ؟
    - منذ الطفولة .

    بدت هايدى خائبة , ثم أضافت .

    - واذا داعبت المنطقة حوله دون ان تلمسى رأسه , فان اللذة ستنبثق بشكل أكثر حدة .

    بعض الرجال يستعجلون , فيلمسون مباشرة راس البظر , دون أن يعرفوا ان ذلك مؤلم للمرأة . هل انت موافقة ؟ ثم أن المحادثة الصريحة مع شريكك هى دومى مفيدة , كما ورد فى الكتاب الذى كنت أقراه .

    - هل كنت تتحدثين بصراحة مع زوجك ؟

    ومن جديد تجاهلت هايدى السؤال , بحجة أن زمانها كان مختلفآ . ما يهمها اليوم هو ان تشارك الاخرين بتجربتها الفكرية . نظرت ماريا الى ساعتها وقالت لها انها اتية لتودعها , لانها انهت فترة تدريب فى سويسرا . بدت هايدى وكأنه لا تسمع ما تقول .

    - ألا تريدين أن تستيرى هذا الكتاب عن البظر ؟
    - لا , شكرآ .
    -ألا تريدين أن تستعيرى شيئا أخر ؟
    -لا أنا عائدة الى بلادى . لكن اريد أن اشكرك على معامتلك الحسنة وعلى احترامك وتفهمك الى اللقاء .

    تصافحتا , وهما تتمنيان أن تنال كل منهما نصيبها الكبير فى السعادة .

    انتظرت أمينة المكتبة خروج الفتاة , ثم , كانت الحركة أقوى منها , ضربت الطاولى بقبضة يدها , لماذا لم تغتنم الفرصة ؟ لماذا لم تجب عن شؤال الفتاة حين تجرأت وسألتها عما اذا ارتكبت مرة خيانة زوجية ؟

    " ليس الامر خطيرى فى أى حال .

    ليس الجنس محور العالم , لكنه يمثل مكانة كبيرة فى حياتنا . نظرت من حولها " آلاف الأعمال التى تحيط بها تروى قصص " حب" لكن القصة هى نفسها دومآ , يلتقى أحدهم الأخر ويقع فى غرامه . يفترقان ثم يلتقيان من جديد ... جميع هذه الكتب تتحدث عن الأرواح التى تتواصل , والبلدان البعيدة , والمغامرة والعذاب والهموم . لكن , نادرآ ما سمعت أحدهم يقول فيها " انتبه أيها السيد " أنتبه لجسد المرأة , وحاول أن تفهمه جيداً . لماذا لا تتحدث الكتب عن الموضوع بصراحة .

    لا يبد أن هذا الموضوع يهم أحد فعلا , وفى العمق . يصر الرجال على البحث عن علاقات جديدة , وهم لا يزالون أشبه بالصيادين , وساكنى الكهوف الذين يتبعون غرائزهم ونزواتهم . والمرأة ؟ لا تدوم الرغبة عند المرأة فى الحصول على المتعة مع شريكها الا بضع سنوات , بحسب تجربة هايدى الشخصية . ثم يخف كثيرى اهتمام المرأة بمتعتها وجسدها , وتفضل عدم الكلام عن الموضوع , معتبرة انها الوحيدة فى العالم التى تعانى . وتكذب حين تتذرع بأنها لم تعد تتحمل رغبة زوجها واصراره على مضاجعتها كل مساء .

    وسرعان ما تكرس النسوة أوقاتهن لمشاغل أخرى , الأولاد , المطبخ , تنظيم الوقت , الاعمال المنزلية , الفواتير التى يجب تسديدها , التساهل حيال مغامرات الزوج العاطفية , السفر خلال العطلات وتركيز الاهتمام فقط على الاولاد . وقد تجمع بين النساء والرجال علاقة تواطؤ أو قد يدوم الحب بينهم , لكن الجنس , قطعآ لا .

    كان يجدر بها أن تبدو أكثر انفتاحى مع الفتاة البرازيلية , وهى فتاة بريئة ومن عمر ابنتها , وغير قادرة على اكتشاف الحياة . أنها مهاجرة تعيش بعيدآ عن وطنها , وتشفى فى عمل لا تحبه , وتنتظر أن تلتقى رجلا يمكنها الزواج به , والتظاهر أمامه ببعض الرعشات الجنسية , والفوز بالأمان بجانبه , والمشاركة فى زيادة النسل فى الجنس البشرى . ولا تلبث بعيد الزواج أن تنسى هذه الأشياء المتعلقة بالنشوة الجنسية والبظر والنقطة g , لتكون فقط زوجة صالحة وآما صالحة , تسهر على الأعتناء بيتها وعائلتها , وتستمنى خفية من وقت لاخر , وهى تفكر فى العابر الذى التقته فى الشارع , ووجه اليها نظرة تلتمع فيها الشهوة . يجب الحفاظ على المظاهر . لكن لماذا يهتم الناس , جميع الناس , بالمظاهر الى هذا الحد ؟

    أليس هذا هو السبب فى أنها لم ترد على الفتاة حين سألتها " هل كانت لك علاقة خارج أطار الزواج ؟ " .

    فكرت ان مثل هذه الأسرار تدفن معنا . كان زوجها رجل حياتها حتى لو أن مرحلة النشاط الجنسى باتت من الماضى البعيد . كان شريكا ممتازآ , كريما , متزنآ , يناضل لأعالة أولاده , ويجهد لاسعاد من يعيشون فى عهدته . كان الرجل المثالى الذى تحلم به كل امرأة . لذا , كانت تشعر بأنها امرأة سيئة اذا فكرت أنها اشتهت يومى رجلا اخر وتبعته .

    تذكرت لقاءهما . كانت راجعة من مدينة ناقوس الجبلية عندما انهار جبل ثلجى , وقطع طريق مرور القطارات لبضع ساعات اتصلت هايدي بعائلتها لتطمئنها انها بخير , واشترت بعض المجلات استعدادى لتزجية فترة طويلة فى المحطة .

    عندئذ رأت رجلا يجلس قربها , وهو يحمل حقيبة على ظهره وكيسآ للنوم . كان شعره رماديى , وكانت الشمس قد احرقت بشرة وجهه , وكان الوحيد الذى لا يبدو عليه الانزعاج من الانتظار . على العكس , كان يبتسم ويفتش من حوله , عساه يجد أحدآ يتحدث اليه . فتحت هايدى المجلة . لكن – اه ما اعظم أسرار هذه الحياة – التفت عيناها بعينى هذا السافر , ولم تستطع أن تشبح بهما عنه بسرعة , مما شجعه على الاقتراب .

    وقبل ان تسنح لها فرصة صده بأسلوب لائق ومهذب , كان الرجل قد توجه اليها بالكلام . اخبرها انه كاتب وانه شارك فى ندوة كانت تقام فى دافوس , وان تعذر وصول القطار سيفوت عليه موعد طائرته . سألها اذا كانت ستساعده على ايجاد فندق لدى وصولهما الى جنيف .

    نظرت اليه هايدى , وتساءلت كيف بامكان رجل سيفوت موعد طائرته ومضطر الى الانتظار ساعات طوية فى محطة مزعجة , أن يكون بهذا المزاج الهادئ ؟

    بدأ الرجل يحدثها وكأنهما صديقان منذ وقت طويل . حكى لها عن اسفاره وعن سر اسفاره وعن سر الخلق الأدبى والأشياء التى أدهشته , وتلك التى اثارت الذعر . فى نفسه , وعن النساء اللواتى احبهن والتقاهن فى حيته . اكتفت هايدى بالأستماع اليه , وهى تهز برأسها موافقة على ما يقوله , فيما كان يتابع حديثه دون حرج . كان يعتذر من وقت الى أخر على طلاقة لسانه , ويطلب اليها أن تحدثه هى ايضا عن نفسها . لم يكن لديها ما تقوله , فقط , أنا انسانة بسيطة , ولا شئ , خارقا فى حياتى .

    وفجأة بدات تأمل فى ألا يتوقف القطار أبدا . سحرها حديثه . وأخذت تكتشف أشياء لم يسبق لها ان اخترقت عالمها الا عبر قصص الخيال . بما أنها لن تراه ثانية , فقد تشجعت وسالته ألم تعرف سبب هذه الجرأة ولا حتى لاحقآ ) عن موضوعات تشغل بالها . قالت له أن زوجها يمر بمرحلة صعبة , وسوف يطلب اليها ان تظل الى جانبه . وتود أن تعرف ماذا بامكانها أن تفعل لأسعاده . قدم لها لرجل بعض النصائح المفيدة . لكنه اعتبر أن ليس من الضرورى التحدث عن زوجها . قال لها وهو يردد عبارة لم تسمعها منذ سنوات .

    - أنت أمراة مثيرة جدى للاهتمام .

    لم تعرف كيف كان ينبغى لها أن تتصرف , لاحظ الرجل خرجها , فأخذ يحدثها عن الصحارى والجبال والمدن الضائعة والنساء المحجبات والنساء العاريات الخصور , وعن المحاربين والقراصنة والحكماء المسنين .

    وصل القطار الى المحطة . جلسا على المقعد نفسه أحدهما بجوار الاخر . الأن , لم تعد المرأة المتزوجة التى تقيم فى شاليه قبالة البحيرة , والتى لديها ثلاثة أطفال يجب أن تربيهم , بل امرأة مغامرة تسافر الى جنيف للمرة الأولى . عندما نظرت الى الجبال والنهر . أحست أنها سعيدة لوجودها بقرب رجل يحاول أغواءها مثلا جسديا ( فالرجال لا يفكرون الا فى هذا ) , ويفعل كل ما فى وسعه لاستمالتها . فكرت فى كل الرجال الأخريين الذين حاولوا أغواءها , والذين لم تدع لهم اى مجال للتقرب منها . فى ذاك الصباح , تغير العالم بالنسبة اليها . أحست انها مراهقة فى الثامنة والثلاثين , وأنها تتابع بشغف المحاولات التى يقوم بها الرجل لأغوائها . وفيما كانت تظن أنها فى خريف عمرها ( هذا الخريف الذى جاء قبل الأوان ) , وأن لديها كل ما تحلم به امرأة , ها قد ظهر هذا الرجل فى المحطة فجأة , ودخل عالمها دون استئذان .

    نزلا فى جنيف أرشدته الى فندق ( أصر على أن يكون متواضعا لأنه لم يكن يتوقع أن يقضى نهاراً أضافيا فى هذه البلاد حيث مستوى المعيشة مرتفع للغاية ) . ثم طلب اليها أن ترافقه حتى غرفته , للتأكد من أن كل شئ على ما يرام . تنبهت هايدى الى المحاذير التى يمكن ان تنتظرها , ومع ذلك , وافقت . أغلقا الباب وتبادلا قبلا محمومة . نزع عنها ثيابها – ويا الهى – كم كان خبيرآ بجسد المرأة واسراره وما تعانيه من عذاب وحرمان .

    مارس الحب طوال بعد الظهيرة , ولم يختف السحر الا عند هبوط الليل . عندئذ تفوهت بالجملة التى لم يكن يجدر بواحدة مثلها أن تقولها أبدآ :

    " على أن اعود , زوجى ينتظرنى " .

    اشعل سيجارة . بقيا صامتين لبضع دقائق . لم يودع أحدهما الأخر . نهضت هايدى وخرجت دون أن تلتفت وراءها , مدركة تماما أن لا معنى لأى كلمة أو لأى جملة يمكن أن تقال .

    تعرف هايدى أنها يجب ألا تعود لرؤيته أبدآ . ومع ذلك لم تعد الزوجة الوفية لبضع ساعات , ولا ربة البيت , ولا الأم الحنون أو الموظفة المثالية الثابتة فى صداقاتها . رجعت أمرأة لبضع ساعات .

    لاحظ زوجها زوجا تغيرها , وقال لها أن مزاجها غريب , فهى أما أكثر فرحى من المعتاد واما أكثر حزنى . كان يشق عليه أن يصف حالتها بدقة . لكن , بعد أسبوع , عادت الأمور الى سابق عهدها .

    فكرت هايدى , ليتنى أخبرت الصغيرة عن هذه المغامرة . فى أى حال لن تفهم شيئا , لأنها تعيش فى عالم مختلف , حيث الناس أوفيا , وعهود المحبين أبدية ...


    * * * * *




    ما دونته ماريا فى يومياتها :

    " لا أعرف ما الذى يفكر فيه عندما فتح الباب فى ذلك الماء ورآنى وأنا احمل فى يدى حقيبتين "

    قلت له على الفور .

    - لا تشغل بالك كثيرآ . لن آقيم فى بيتك . تعال نذهب لنتاول العشاء . ساعدنى على ادخال علىحقيبتى دون ان ينبس بكلمة . لم يقل " لم هذه الحقائب ؟" أو " كم أنا سعيد برؤيتك " . أمسك ذراعى ببساطة , جذبنى اليه , وبدأ بتقبيلى وهو يمرر يديه على جسدى ونهدى وعضوى , وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ وقت طويل , أو كأنه يجلس يحدس أن هذا هو اللقاء الأخير .

    جردنى من سترتى وثوبى وتركنى عارية . هناك فى الردهة , ومن أى مقدمات والهواء بارد ينساب من شقوق الباب , مارسنا الحب لأول مرة . رأيت أن من الأفضل أن نكف عن مواصلة عملنا , وأن تبحث عن مكان أكثر أراحة , لأثبت له أن لدينا متسعآ من الوقت لأكتشاف الأسرار التى أودعها القدر والكون فى أجسادنا . لم أقل شيئا . أريده فى , فهو الرجل الذى أمتلكه ولن أمتلكه أبدآ . لذا أستطيع أن أحبه بكل كيانى وأن أحصل منه – ولو لليلة واحدة – على سعادة لم أحلم بها فى حياتى , ولن يتسنى فى بلوغها مع رجل اخر .

    مدَدَنى على الأرض وولجنى , دون أن يكون عضوى رطبآ , لكن الألم الذى شعرت به لم يزعجبنى . على العكس , أحببت أن يكون ولوجآ مؤلما . جميل أن يدرك أننى ملكه وانه لا يحتاج الى أن يطلب أذنا منى للدخول . لست هنا لأعمله شيئا من خبرتى كعاهرة , ولا لأظهر أننى متفوقة الى احساسى على النساء الأخريات . " أنا هنا فقط لأقول له " نعم " وأننى أستقبله بكل كيانى , وأنتظره مثلما ينتظرنى , وأن تجاوز حدود البروتوكول بيننا يهيجنى . لكن , فلنترك لغرائونا أن تقودنا الى حيث تشاء , أنا المرأة وهو الرجل . كنا فى الوصف الأكثر تقليدية , أنا تحته وساقاى , وهو فوقى يتمرغ بى . نظرت اليه دون أى رغبة فى التصنع أو التاوه أو أى شئ . رغبت فقط أن أبقى مفتوحة العينين , لأتذكر كل دقيقة وأراقب تقاسيم وجهه وحركات يديه التين تعبثان بشعرى , وفمه ينهال على عضا وتقبيلا دون اى لمسات تمهيدية أو غير مآلوفة , فقط هو فى وأنا فى روحه .

    كان يتمرَّغ بى , يثور حيناً ثم يهدأ أحياناً . ثم ينظر الى وجهى حيناً أخر . ولم يكن ليسألنى هل أجد متعة فى ما يفعله , لأنه يعرف أنها الطريقة الوحيدة لتتواصل روحانا فى هذه اللحظة . زاد جموحه فى داخلى , وعرفت أن الدقائق الأحدى عشرة شارفت على نهايتها , ليت تلك اللحظات تستمر الى ما لا نهاية ! ما أجمل أن يمتلكنى رجل والا أمتلكه ! حصل كل هذا , وعيناى مفتوحان تراقبان ما يجرى الى أن أصبح أدراكنا بما حولنا مشوشآ , وكأننا دخلنا فى بعد أخر , حيث كنت الأم العظيمة والكون والمرأة المحبوبة والعاهرة المقدسة فى الطقوس , التى حدثنى عنها وأنا أحتسى كأس النبيذ وأتدفا بنار المدفأة . شعرت بدنو نشوئه قبل أن يبلغها , طوقته بذراعى وشددته الى صدرى , وزاد ولوجه حمأة وسرعة . وعندئذ أطلق زعقة عالية . لم يتأؤه ولم يعض شفتيه بل زعق ! وزار مثل حيوان ! خطرت لى فكرة أن الجيران سيتدعون الشرطة للتتعقب الصارخ , وتتبين سبب الصراخ . لكن الامر لم يعد له أهمية . تضاعفت لذتى عند سماع صرخاته التى ذكرتنى بغياهب الأزمنة , حين التقى أول رجل وأول امرأة ومارسا الحب .

    وما لبثا أن أطلقا معآ زعقة واحدة !

    ثم تداعى جسده فوقى . لااعرف كم من الوقت بقينا متعانقين , هكذا داعبت شعره , كما فعلت فى ذلك المساء , حين وضعت المنديل الأسود , وكانت العتمة كاملة فى غرفة الفندق . شعرت أن خفقات قلبه تهدأ , وأن يديه تمران برفق على ذراعى , فتقشعر لمرورهما كل شعيرات جسدى . ثم تنبه الى نقل جسده الذى يضغط على , فمال ناحيتى وهو يمسك بيدى , وبقينا معآ تنظر الى السقف والثريا .

    قلت له :

    - ليلة سعيدة .

    جذبنى ناحيته مسندآ رأسه الى صدرى وداعبنى طويلا , ثم قال لى بدوره :

    - ليلة سعيدة .

    قلت :

    - لابد أن الجيران سمعوا كل شئ !

    لم أشا أن اقول له " أحبك فى هذه اللحظة , لأنه لم يكن لذلك معنى كبير . هو يعرف ذلك وأنا أيضا " .

    أجابنى :

    - الهواء المتساب من شقوق الباب بارد جدآ .

    بدل أن يهتف قائلا " ما أروع تلك اللحظات .

    ثم أضاف :

    - لنذهب الى الطبخ .

    نهضنا ولاحظت أنه لم يخلع سرواله كليآ . كان لا يزال مرتديآ ثيابه , وعضوه ما زال ظاهرآ . لبست سترتى , ولحقت به الى المطبخ . أعد القهوة ودخن سيجارتين , فيما دخنت سيجارة واحدة .جلس أمام الطاولة وكان يقول لى " شكرآ " بعينيه , وكنت أجيبه انا أيضآ أريد أن أشكرك , لكن شفاهنا ظلت مطبقة .

    ثم تجاسر وسألنى :

    - ماذا تعنى هاتان الحقيبتان ؟
    - أعود الى البرازيل غدآ صباحآ .

    هل كان يجدر بى أن اقول " أحبك " أو " أود لو أبقى هنا معك , " أو " أطلب منى البقاء !

    - لا تفعلى .

    ما أجمل أن يقول لى ذلك .

    - لا أستطيع . هذا وعد . هذا قسم .

    لو أنى لم أقم بهذا الوعد لكنت أعتقدت أن هذا سيدوم الى الأبد , وهو ليس كذلك . ليس الا جزءا من حلم فتاة جاءت من بلاد بعيدة جدآ لتتعرف الى مدينة كبيرة وتواجه ألف مشقة , لكنها التقت الرجل الذى تحبه . هذه أيضا نهاية سعيدة لأننى بعد , كل المشقات التى واجهتنى ستراودنى حكاية ذلك الرجل الذى تغرم بى , كلما راجعت أيامى التى قضينها فى أوروبا . وسيكون معى دائمآ لأن زوجى ستظل تعانق روحه الى الأبد .

    أما رالف , لا تعرف مقدار حبى لك . أعتقد أن النساء يقعن دائما فى الحب من أول نظرة , ولا يستمعن الى نداء العقل , مهما قال لهن انهن مخطئات ومهما دعاهن الى محاربة مشاهرن . ثم تأتى اللحظة , حين يجتاح الانفعال كياننا كله , كما فى ذلك المساء عندما مشيت حافية القدمين فى المنتزه متحفلة الألم والبرد , لأننى اعرف جيدآ أنك تحبنى .

    أجل , أحبك كما لم أحب رجلا من قبل . ولهذا السبب بالضبط أرحل . لو بقيت لصار حلمى واقعا بليدآ , وتحول حبى الى رغبة فى امتلاك حياتك ... أى أننى أتخلى عن كل هذه الأشياء التى تحول الحب الى عبودية , الأبقاء على الحلم هو أفضل أمنية لدى , يجب أن تعتنى بكل لحظة سعادة حصلنا عليها من بلد زرناه , أو هبة وهبتها الحياة لنا .

    اراد رالف أن يغير موضوع السفر ويظهر اهتمامه بى . كان حريصا على الا يلزمنى بشئ , خشية أن يفقدنى الى الأبد , كان يعتقد أن أمامه الليل كل ليحملنى على تغيير رأيى فقال :

    - لم تبلغى النشوة .
    - لم أبلغ النشوة لكنى شعرت بلذة هائلة .
    - كان من الأفضل لو بلغتها .
    - كان بامكانى التظاهر بذلك , فقط لكى تكون مسرورآ , لكنك تستحق أفضل من هذا ,
    انت رجل حقآ , يارالف هارت , بكل ما فى هذه الكلمة من جمال وقوة . عرفت كيف
    تدعمنى وتساعدنى , وقبلت أن أدعمك وأساعدك دون أن يحس أى منا بأى حرج . أجل
    , كان الأمر أجمل لو أننى بلغت النشوة لكنى لم أبلغها . ومع ذلك , شعرت أننى أعبد
    الارض الباردة وجسدك العار والعنف الممتع الذى ولجتنى به .

    اليوم : ذهبت الى المكتبة لأرد الكتب التى كانت لا تزال فى حوزتى . سألتنى أمينة المكتبة عما اذا كنت أتحدث الى شريكى عن علاقتى الجنسية بصراحة , وكنت أرغب فى أن أجيبها , " عن أى شريك تتحدثين ؟ عن أى علاقة جنسية ؟ , لكنه لا تستحق مثل هذا الجواب , لأنها كانتن دائما ملاكا معى .

    فى الواقع , لم أعاشر الا شريكين منذ قدومى الى جنيف , أحدهما أيقظ فى أسوا ما فى داخلى , وقد سمحت له بذلك حتى اننى رجوته كى يفعل . والأخ رانت , بفضلك شعرت من جديد أننى أستعيد انتمائى الى العالم . أود لو أستطيع أن اعلمك أين تلمس جسدى , بأى درجة من الحدة بأى درجة من الرفق ولكم من الوقت , أعرف أنك ستفهم كلامى على انه اتهام او عذاب أو لوم . لكن كل ما أبتغيه من ذلك أن يكون أرشادك الى هذا الأمر وسيلة تسمح لأرواحنا بأن تتواصل بشكل أفضل . فن الحب كالرسم , يتطلب تقنية وصبرا وممارسة مشتركة , ويفترض جرأة لأنه يحب الذهاب الى ماهو أبعد مما تعارفنا على تسميته " ممارسة الحب " .

    بدل أن يأخذ رالف كلامى على محمل الجد , أشعل سيجارة ثالثة فى أقل من نصف ساعة , ثم قال :

    - أولا , سنقضى الليلة هنا ( لم يكن قوله طلباً بل امرآ ) .
    - ثانيآ , سنمارس الحب من جديد , لكن بتشنج أقل وبرغبة أكبر .
    - ثالثا , وأخيرآ أود أن تكتشفى أنت أيضآ الرجال بشكل أفضل . ماذا قال , أكتشف
    الرجال بشكل أفضل ؟ لكنى كنت أقضى معهم جميع ليالىِ , مع البيض والسود
    والآسيويين واليهود والمسلمين والبوذيين ! ألا يعرف هذا !

    أحسست أننى أكثر خفة وطلاقة . كان جيدآ أن يتخذ الحوار شكل النقاش . لأننى , للحظة ما , أوشكت أن أطلب المغفرة من الله . لاننى مضطرة أن أنكت بوعدى له . كان الواقع حاضرآ بقوة أمام عينى , يأمرنى بأن أحتفظ بحلمى كاملا , وألا أقع فى الأفخاخ التى ينصبها لى القدر .

    لاحظ رالف السخرية التى علت وجهى , فقال :

    - أجل , أطلب اليك أنت أن تفهمى الرجال بشكل أفضل . تحدثيننى عن ضرورة أن تعبر المرأة عن أحاسيسها الجنسية , وأن تكتشف جسدها وتريدين مساعدتى فى الابحار على متن جسدك , وتطلبين الى اني يكون لدى الصبر والوقت . أنا موافق . لكن , هل خطر ببالك أننا مختلفان عى الأقل فى ما يتعلق بالوقت ؟ لماذا لم تشكى أمرك لله وتطلبى اليه المساعدة ؟

    حين التقينا , طلبت اليك ان تعلمينى الجنس , لاننى فقدت كل رغبة فيه . هل تعرفين لماذا فقدتها ؟ لأن كل علاقتى الجنسية أفضت بى الى الضجر والحرمات . أدركت أن من الصعب جدآ أن أمنح النساء اللواتى أحببتهن اللذة نفسها التى كن يمنحننى اياها .

    النساء اللواتى احببتهن . لم تعجبنى العبارة , لكنى تظاهرت باللامبالاة وأشعلت سيجارة .

    - لم تكن لدى الشجاعة لاقول للمرأة " علمينى أسرار جسدك " . لكن , حين ألتقيتك ورأيت ضوءك , أحببتك على الفور . وفكرت أننى فى هذه المرحلة نت حياتى , لن أخسر شيئا اذا كنت صادقآ مع نفسى , ومع المرأة التى أود أن تكون الى جانبى .

    كان طعم السيجارة لذيذا ,ورغبت فى أن يقدم لى قليلا من الخمر , لكنى لم أشا تغيير الحديث.

    - لماذا لا يفكر الرجال الا بالجنس ؟ لماذا لا يحاولون أن يفعلوا معى ما فعلته انت , أى أن ترغب فى معرفة أحاسيس جسدى وأحواله ؟

    - أيقال أننا لا نفكر الا بالجنس ؟ العكس هو الصحيح . نقضى حياتنا , نحن نقع انفسنا أن الجنس بالغ الأهمية . نتعلم ممارسته مع العاهرات أو مع العذارى وتخبر قصصنا لمن يود سماعها . وحين نتقدم فى السن , نخرج برفقة الصغيرات لكى نقنع الأخرين , أو نفرجهم باننا لا تزال كما تتوقع منا النساء أن تكون . لكن , لا شئ من هذا صحيح . نحن لا نفهم شيئا . نعتقد أن الجنس والقذف أمرآ واحدى , وليس الأمر كذلك . لا نتعلم , لأننا لا نملك الجرأة لنقول لأمرأة " علمينى أسرار جسدك " . ولا تتعلم , لأن المرأة آيضا لا تملك الجرأة لتقول " حاول أن تعرفنى " . وهكذا فاننا نبقى عند مستوى الغريزة البدائية للمحافظى على استمرار النوع , ونقطة على السطر . هل تعرفين بم يهتم الرجل أكثر من الجنس ؟ احزرى ....

    فكرت أن ما يهمه أكثر هو المال أو السلطة , ولكنى لم أقل شيئا .

    -بالرياضة , لأن الرجل حينئذ يفهم جسد الرجل الأخر . فى الرياضة نلاحظ حوار الأجساد التى تتفاهم .

    - انت مجمون .
    - قد أكون مجنوناً . لكن هذا يتضمن شيئا من الحقيقة . هل سبق لك أن تساءلت عن شعور الرجال الذين تضاجعينهم ؟
    - نعم . تنقصهم الثقة بالنفس وأشعر انهم خائفون دومآ .
    - لا بل يعتريهم ما هو أكثر من الخوف , يشعرون بأنهم سريعو العطب . حتى لو لم يكونوا عارفين ماذا يفعلون . كل ما يفعلونه هو أن المجتمع والأصدقاء والنساء أنفسهن يدعون أن الجنس مهم . " الجنس , الجنس , الجنس ..انه ملح الأرض . هكذا تدعى أيضا الاعلانات والأفلام والكتب . ولا أحد يعرف عما نتكلم . نعرف فقط أنه يجب القيام بذلك , لأن الغريزة أقوى منا جميعى وهذا كل شئ .

    هذا يكفى . حاولت أن أعطيه دروسا لكى يحمينى , فبادر الى التصرف مثلى . لكن مهما قسمت كلماتنا بالحكمة – لأن واحدنا كان يحاول التأثير فى الأخر – فان كل ما تقوله كان سخفيا وغير جدير بالتعبير عن حقيقة مشاعرنا ! اجتذبته ناحيتى , لأن الحياة . بغض النظر عما كان سيقوله أو عما فكرت فيه , قد علمتنى كثيرا . فى بداية الأزمنة , كان كل شئ حبى خالصاً وتضحية بالذات . لكن ما لبثت الأفعى أن ظهرت لحواء , وقالت لها :

    " ما اعطيته سوف تخسرينه . وهذا ما حصل لى , طردت من الجنة فى المدرسة . ومنذ ذلك الوقت , أحاول أن أقول لافعى أنها مخطئة , وأن التضحية بالثمين الغالى أهم من محاولة الأستثار به . لكن الأفعى هى التى كانت على حق , وأنا المخطئة . جثوت على ركبتى وجردته من ثيابه على مهل . رأيت أن عضوه قد استرخى . قبلت باطن ساقيه بدا من القدمين . تأثر عضوه بقبلاتى , فلامسته وأخذته فى فمى من دون تسرع , ومن دون تلميح , وكأننى أستنهضه للقيام بمهمة عاجلة , " هيا , حضر نفسك للتحرك , قبلت بحنان من لا ينتظر شيئا . ولهذا نلت كل شئ . اهتاج وبدأ يداعب نهدى راسما حول حلمتى دوائر كذلك التى رسمها فى تلك الليلة : حيث كانت العتمة شاملة . اشتعلت فى أحشائى الرغبة ليلجنى من جديد . أينما يشاء وبالطريقة التى يجب أن يمتلكنى بها , سواء فى فمى أو فى عضوى , لم يجردنى من سترتى . مددنى على الطاولى , على بطنى , وساقاى مسددتان الى الأرض , وولجنى على مهل , هذه المرأة دون قلق , دون تشنج ولا خوف من أن يفقدنى , لانه هو أيضا كان يعرف ان ذلك ليس الا حلمى , وسيقى حلمى على الدوام .

    عضوه فى , ويده تتلمس صدرى وردفى , تتلمسنى , كما أمراة وحدها على ذلك . عندئذ فهمت أننا مخلوقان أحدنا لأخر لأنه يستطيع أن يكون امراة مثلى وأستطيع أن أكون رجلا مثله . وها أن تصفينا المفقودين يلتقيان لكى يكتمل الكون .

    كلما ولجنى وداعبنى بلمساته , أحسست أنه لا يلجنى أنا فقط بل يلج الكون كله . لدينا الوقت كله والحنان كل لتتسع معرفة أحدنا لأخر . أجل , كان رائعآ أن أصل بحقيبتين , وبى رغبة لا تقهر فى الرحيل , وان يرمينى حالا على الأرض ويلجنى فى العنف والرهبة . كان جميلا أيضا أن اعرف ان الليل لن ينتهى أبدآ وأن النشوة التى بلغتها على طاولة المطبخ لم تككن غاية بحد ذاتها , ولكن بداية لقاء .

    جمد عضوه فى , فيما كانت أصابعه تنتقل بسرعة . ومن نقطة حساسة الى أخرى بلغت نشوتى الأولى والثانية والثالثة . كانت لدى رغبة فى ابعاده , لأن ألم اللذة كان قويا جدى , كانت اللذة حين تغذب , اللذة الممزوجة بالألم , لكنى تحملت بعزم , وتقلبت برضى أن يكون الأمر كذلك , أستطيع أن أتحمل نشوة أخرى بعد أو نشوتين أو أكثر ....

    وفجاة تفجر ضوء فى داخلى . لم اعد أنا نفسى , بل صرت كائنا متفوقآ على كل ما عندى . عندما أوصلتنى يده الى النشوة الرابعة رأستنى أدهل مكانا حيث السلام الكامل . وفى النشوة الخامسة بلغت أفاقا بعيدة . عندئذ أحسست أن عضوه يعيد التوغل فى من جديد , ويترافق جموحه مع حركة يده . قلت , يا ألهى , أنا متروكة ولا أعرف ان كانت هذه سماء أم جحيما .

    لكنها كانت الجنة . كنت الأرض والجبال والنمور والأنهار الجارية حتى البحيرات والبحيرات الجارية حتى البحر . كان يذهب فى بسرعة متزايذة والألم يمتزج باللذة . اردت أن اقول " لم أعد أحتمل , لكن هذا ظلم , لاننا فى هذه المرحلة من تداخلنا كنا أنا وهو واحدة " .

    تركته يلجنى طوال الوقت اللازم . كانت أظافره مغروزة فى ردفى , وأنا ممدة على بطنى فوق طاولة المطبخ . فكرت أنه ما من مكان فى العالم أروع من ذلك المكان لممارسة الحب . من جديد سارع الى غرز أظافره فى بشكل مؤلم , وعضوه يجلد بقوة بين ردفى , كان جسده ملاصقا لجسدى , وأوشكت أن أبلغ النشوة وهو آيضا , لكن لا شئ من هذا – لا شئ من هذا كذب !

    - تعالى .

    كان يعرف عما يتكلم , وكنت اعرف انه ان الاوان . استرخى كل جسدى , لم أعد نفسى . لم أعد اسمع ولا أرى ولا أشعر بطعم شئ . تحولت الى مجرد جسد يحمل .

    - تعالى !

    وأمنيته , لم تكن أحدى عشرة دقيقة بل أبدية .كنا وكأننا خرجنا كلينا من جسدينا , ودخلنا جنة الخلد , حيث الحب الحقيقى والتفاهم التام والسعادة المطلقة . كنا امرأة ورجلا , رجلا وامرأة . ولم اعرف كم من الوقت دام هذا , لكن كل شئ ,بدا صامتا يصلى , وكأن الكون والحياة صارا فى حال من الخشوع لا ادرى ماذا اسميها خارجة على المكان والزمان .

    ثم ما لبث أن رجع الكون الى مستقره والزمن الى دورانه .
    سمعت صرخاته وصرخت معه . كانت قوائم الطاولة تضرب الأرض بعنف , ولم يزعجنا الضجيج , ولم نسأل ماذا ستكون ردة فعل سائر الناس .

    أخرج عضوه منى دون أن يعلمنى . أخذت اضحك , التفت نحوه وضحك هو آيضا . تعانقنا ملتصقين أحدنا بالأحر , وكأننا نمارس الحب لأول مرة فى حياتنا .

    قال لى :

    - باركينى .

    باركته دون ان اعرف ماذا أفعل . وتوسلت اليه أن يفعل الشئ نفسه . قال " مباركة هذه المرأة التى احببتها كثيرآ " . كانت كلماته جميلة فتعانقنا من جديد وبقينا على هذه الحال دون ان نعرف كيف أن أحدى عشرة دقيقة يمكنها أن تقود رجلا وامرأة الى الجنة .

    لم تظهر على اى منا علامات الارهاق . توجهنا الى الصالون . وضع أسطوانى , ثم فعل بالضبط ما كنت اتوقع منه ان يفعل , أشعل النار فى المدفأة , وقدم لى خمرة , قم فتح كتابا وقرأ ما يلى :

    زمن الولادة وزمن الموت
    زمن الزرع وزمن الحصاد
    زمن القتل وزمن الشقاء
    زمن الهدم وزمن البناء
    زمن البكاء وزمن الضحك
    زمن النحيب وزمن الرقص
    زمن رمى الحجارة وزمن جمعها
    زمن المعانقة وزمن الفراق
    زمن الأحتفاظ وزمن التخلى
    زمن التمزيق وزمن الرتق
    زمن الصمت وزمن الكلام
    زمن الحب وزمن الكراهية
    زمن الحرب وزمن السلم

    كان هذا النص يتلاءم مع اللحظة التى أعيشها , ويبدو وكأنه قصيدة وداع . ألا انه كان من أجمل النصوص التى قرأتها فى حياتى .

    ضممته الى ذراعى وضمنى الى ذراعيه . تمددنا على السجادة أمام المدفأة . كان لا يزال الشعور بالأكتمال حاضرآ فى , وكأننى كنت على الدوام امرأة . حكيمة , سعيدة , متفتحة .

    - كيف أمكن لك أن تقع فى غرام عاهرة ؟
    - لم أفهم السبب حينئذاك . لكننى , الان , أعتقد , بعدما أمعنت فى التفكير , أن السبب هو أننى اعرف ان جسدك ليس ملكى لى وحدى . اذا أستطيع أن احصر اهتمامى كله بامتلاك روحك.

    - والغيرة ؟ ماذا تفعل بالغيرة ؟
    - لا نستطيع أن نقول للربيه , " تعال شرط ألا تتاخر وتدوم أطول وقت ممكن " . ولكن فقط , " تعال وباركنا بالأمل الذى تشيعه بيننا , وابق قدر ما يحلو لك .

    كلمات فى الهواء . لكنى كنت بحاجة الى سماعها وكان هو أيضا محتاجآ الى قوتها . نمت وحلمت بعطر يغمر كل شئ .


    * * * * *



    فتحت ماريا عينيها , فتسربت خيوط الشمس عبر الستائر المعدنية المفتوحة .

    فكرت وهى تنظر الى الرجل النائم قربها , " مارست الحب معه مرتين ومع ذلك أشعر وكأننا كنا معآ منذ الأزل , أو كأنه يألف منذ الأزل حياتى وروحى جسدى وضوئى وللى " .

    نهضت لتعد القهوة . عندئذ رأت الحقيبتين فى الرواق وتذكرت كل شئ , القسم , الصلاة فى الكنيسة , حياتها , الحلم الذى أوشك ان يصير حقيقة, ويفقد سحره , الرجل الكامل , الحب الذى يتحد فيه الجسد والروح واللذة والنشوة .

    بامكانها البقاء , ليس لديها ما تخسره سوى قليل من الوهم الأضافى . فكرت فى القصيدة التى قراها لها " زمن البكاء وزمن الضحك " . لكن هناك جملة أخرى تقول " زمن للعناق وزمن للفرق " . أعدت القهوة , أغلقت باب المطبخ أخذت الهاتف واتصلت بسائق تاكسى . استجمعت ما لديها من قوة وارادة واطبقت جفنيها على ذكرى تلك الملابس تلك الليلة الساحرة , وعزمت على الرحيل .

    ارتدت ملابسها , اخذت الحقائب , ورحلت املة من كل قلبها ان يستقيظ الرجل ويطلب منها البقاء .

    لكنه لم يستيقظ . وفيما كانت تنتظر وصول سيارة التاكسى فى الخارج مرت غجرية قربها وهى تحمل مجموعة من باقات الزهور .

    - هل تريدين باقة ؟

    اشترت ماريا باقة . كانت هذه الزهور ايذانا بقنون الخريف ورحيل الصيف . من الأن فصاعدا لن تشاهد فى جنيف الطاولات المنتشرة على أرصفة المقاهى , ولا المنتزهات مغمورة بضوء الشمس ومزدحمة بالمتنزهين . لا يفترض أن نشعر بالأسى لرحيلها , فهذا كان خيارها , وليس هناك ما يدعو للتحسر والنحيب .

    وصلت الى المطار وطلبت فنجان قهوة . انتظرت , لأربع ساعات وصول الطائرة المتجهة الى باريس , وهى تتوقع أن يظهر رالف بين اللحظة والأخرى لاسيما وانها ابغلته بساعة الرحيل قبيل أن ينام . فكرت أن هذا يحصل فقط فى الأفلام . فى المشهد الأخير وفيما المرأة على وشك الصعود الى الطائرة , يصل الرجل يائسا فيشدها اليه ويقبلها ويعيدها الى عالمه فى كتف النظرات المستمتعة والمجاملة لموظفى الطائرة . ثم تظهر كلمة " النهاية " على الشاشة , ويتأكد المشاهدون أن البطلين سيعيشان فى سعادة الى الأبد .

    لكن الأفلام لا تروى أبدى ما يحصل بعد ذلك ! هذا ما خطر على بال ماريا لكنها استرسلت فى الخيال لتعزى نفسها , وتذكرت أن الافلام لا تروى شيئا عن الزواج والطبخ والأولاد والعلاقات الجنسية التى تخف وتيرتها باطراد , والعثور على أول رسالة غرام من العشيقة التى تخف وتيرتها باطراد والعثور على أول رسالة غرام من العشيقة ( فتتخد الزوجة القرار بأشارة فضيحة ثم بعد الزوج بان هذا لن يتكررر ) , ثم رسالة ثانية من عشيقة اخرى ( فتثير الزوجة فضيحة أخرى وتهدد بالطلاق ويكتفى الروح بأن يقول لها أنه يحبها ) . ولدى العثور على الرسالة الثالثة من العشيقة الثالثة تقرر الزوجة أن تصمت وتتظاهر بانها لا تعرف , خشية أن يقول لها الزوج انه لم يعد يحبها , وانها تستطيع الرحيل متى تشاء .

    لا , فالستار يسدل قبل ان تبدى مسرحية الحياة الواقعية . فرأت ماريا مجلة واثنين وثلاثا . واخيرآ اعلن على الميكروفون عن وصول الطائرة , بعدما أحست ماريا انها قضت سنوات فى قاعة الانتظار فى المطار , صعدت الى الطائرة متخيلة أيضا المشهد الشهير الذى ما أن تضع فيه البطلة حزام الأمان , حتى تشعر بيد تلمس كتفها , فتلتفت وتجد حبيبها مبتسمآ لها .

    لم يحصل شئ من هذا .

    نامت خلال الرحلة القصيرة من جنيف الى باريس . لم يتسن لها الوقت لتفكر فى القصة التى سترويها لأهلها وأصدقائها . لكن أهلها سعداء ولا شك برجوع ابنتهم , وبالمزرعة التى تضمن لهم شيخوختهم .

    أيقظها صوت عجلات الطائرة , وهى تلامس أرض المطار . جاءت المضيفة وقالت لها ان عليها ان تغير منصة الأنطلاق , لان الطائرة المتجهة الى البرازيل تنطلق من المنصة f فيما هى موجودة فى المنصة c , وان عليها ألا تقلق لأنه ليس هناك تأخر , وأن لديها متسعا من الوقت . وأن الموظفين على الأرض يستطيعون مساعدتها لتهتدى الى وجهتها الصحيحة . فيما كانت الطائرة تقترب من سلم النزول , تساءلت هل يستحق الأمر عناء ان تقضى يوما فى باريس , لا لشئ ألا لتلتقط بعض الصور , وتتباهى لدى وصولها الى البرازيل بأنها زارت المدينة . كانت تشعر انها بحاجة ايضا الى الوقت لكى تفكر وتكون وحيدة مع نفسها , وتستعيد مجريات الليلة الفائتة لكى ترشحها جيدى فى ذاكرتها , وتستنير بضوئها , مسترجعة سحرها ساعة تشاء , لتشعر انها لا تزال حية . أجل , باريس فكرة رائعة . استعلمت من مضيفة الطيران عن موعد الطائرة المقبلة المتوجهة الى البرازيل , وهذا يفيدها فى حال قرارها بالأ تسافر اليوم .

    أخذت المضيفة تذكرتها , واسفت لأن تسعيرة التذكرة لا تسمح لها بارجاء موعد الرحلة , فعزت نفسها بالقول أن اكتشاف مدينة بهذا الجمال بمفردها سيشعرها بالأحباط . وسرعان ما توصلت الى الأحتفاظ بهدوء أعصابها وقوة ارادتها , لأنه لن تفسد كل شئ بسبب أشتياقها الى رجل .

    نزلت من الطائرة وخضعت لتفتيش الشرطة , ستنقل أمتعتها مباشرة الى الطائرة الاخرى . فتحت الأبواب وأخذ المسافرون يقبلون من جاؤؤا لتوديعهم . زوجاتهم أو أمهاتهم أو أولادهم . تظاهرت ماريا وكان كل ذلك لا يعنيها فيما كانت تفكر من جديد بوحدتها . لكن هذه الوحدة كانت اقل مرارة لأن لديها سرآ \ حلمى . ولأن الحياة ستكون أسهل .

    " ستكون باريس دائمى هنا " .

    لم يكن الدليل السياحى الذى تفوه بهذه العبارة , ولا سائق التاكسى . أخذت ساقاها ترتجفان عندما سمعت صوته .

    ستكون باريس دائمى هنا ؟

    - هذه الجملة تذكرنى بفيلم أعبده . هل تودين أن ترى برج أيفل ؟

    اجل تود كثيرآ . كان رالف يحمل ورود فى يده , ويعناه مفعمتان بالضوء , الضوء الذى رأته فيهما , فى اليوم الأول للقائهما , عندما كان يرسم صورتها , فيما الهواء البارد يشعرها بالانزعاج .

    قالت لكى تخفى دهشتها :

    - كيف وصلت الى هنا قبلى ؟

    لم يكن للجواب اى اهمية . احتاجت الى قليل من الوقت لتتماسك .

    - رايتك تقرأين مجلة . كان بامكانى الأقتراب منك , لكنى رومنطيقى , رومنطيقى حتى العظم . فكرت أن من الأفضل أن استقل أول طائرة متجهة الى باريس تنزهت فى المطار وانتظرت ثلاث ساعات وأنا أستعلم فى كل لحظة عن مواعيد الطائرات . اشتريت لك زهورآ واردت أن اقول لك الجملة التى تفوه بها ريكى لحبيبه فى فيلم " كازابلانكا " , وأنا أتخيل الدهشة على وجهك . كنت أكيدآ من أن هذا ما تريدينه وما تتوقعينه , وأن كل قوة العالم لا تكفى لتقف فى وجه الحب وقوة الحب القادرة على قلب كل المعادلات بلمحة بصر . لا يكلفنا شئ أن تكون رومطيقيين كما فى السينما . الا توافقيننى الرأى .

    لا تعرف ان كان ذلك يكلفنا أم لا , ولا تريد أن تفكر فى أى " سحر " لأن هذا اخر هم لديها , تعرف فقط انها التقت هذا الرجل , وأنهما ماريا الحب للمرة الأولى منذ ساعات , وانه قدمها لأصدقائه الليلة الفائتة . وتعرف أيضا انه تردد الى الحانة الليلة حيث كانت تعمل , وانه تزوج مرتين . وأنه ليس منزعآ عن كل عيب . هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى , صار لديها المال لتشترى مزرعة , وهى لا تزال فى مقتبل العمل . امامها المستقبل , وخلفها تجربة كبيرة فى الحية واحساس قوى بالأستقلالية . رغم كل ذلك , فان القدر يختار عنها وبامكانها المجازفة من جديد .

    بما انها لم تعد متشوقة لتعرف ماذا سيحصل بعد كلمة النهاية على الشاشة , عانقت رالف وقبلته . لكن , لو عرفت يوما ان أحدهم يروى قصتها , فستطلب منه أن يبداها , كما تبدا قصص الجنيات " كان ما مكان .....


    * * * * *




  6. #12

    افتراضي رد: 11 دقيقة , رواية 11 دقيقة , للكاتب بابلو كويلو

    ملاحظات الكاتب
    -----

    استغرقت وقتآ طويلا لأكتشف المعنى المدقس للجنس , على غرار الجميع , وأعمم دون تردد . كانت الفترة التى عشت فيها شبابى تتسم بالحرية المتطرفة والأكتشافات المتنوعة والشطط . تبعتها فترة اتسمت بالجو المحافظ والقمعى . وهذا الثمن تدفعه دائمآ بعد فترات المجون التى تمر بها المجتمعات , والتى لا تختفى دون عواقب وخيمة .

    خلال هذا العقد من الفجور والتفلت الجنسى ( فترة السبعينات ) , نشرالكاتب ايرفينخ والا كتابآ يتطرق فيه الى موضوع الرقابة فى الولايات المتحدة , ويشير الى الدسائس القضائية التى عملت على تحظير نشر أحد النصوص التى تتحدث عن الجنس , وكان بعنوان " سبع دقائق " .

    فى رواية والا , ليس الكتاب , هدف الرقابة , الا ذريعة روائية , ونادرآ ما يظهر موضوع الجنس بحد ذاته . تساءلت حينئذ ماذا بامكانه ان يكون هذا الكتاب . وما المادة الروائية التى يمكن أن ينضمنها . ثم دفعنى هذا التساؤل الى اخر : ماذا لو حاولت بنفسى كتابة رواية عن الجنس .

    خلال سياق الرواية , يشير والا عدة مرات الى الكتاب الوهمى , دون أن يحدد ما فيه , مما جعل مهمة التخيل لدى مستحيلة . لم يتبق فى ذاكرتى من ذاك الكتاب الا العنوان " سبع دقائق " , ( لكنى أجد والا يبالغ كثيرآ فى اختزاله مدة الفعل الجنسى . قررت ان أطيلها ) . وفكرت انه لأمر هام أن نقارب الجنس بطريقة جادة . وهذا ما قام به على اية حال عدد لا يستهان به من الأدباء .

    عام 1997 , وبعد أن أنتهيت من القاء محاضرة فى مانتو بايطاليا , وجدت فى الفندق , حيث نزلت , مخطوطة تركت لى عند الأستعلامات لا اقرا المخطوطات فى العادة , لكنى قرأت تلك المخطوطة , وهى تروى قصة حقيقية لعاهرة برازيلية وزيجاتها والصعوبات التى واجهتها مع القانون . ومختلف الأحداث التى عاشتها .

    عام 2000 كنت مارى بمدينة زوريخ , فتحدثت عبر الهاتف مع هذه العاهرة التى تدعى سونيا ( وهو اسم مستعار ) . قلت لها أننى احببت النص الذى كتبته ونصحتها بأن ترسله الى ناشرى البرازيلى الذى لم يوافق على نشره . استقلت سونيا القطار المتجهة الى زوريخ ودعتنا للذهالب , انا وصديق وصحافية من جريدة " Blick " التى كانت قد أجرب مقابلة معى للتو , الى لانفستراس , حى الدعارة الشهير . كنت اجهل أن سونيا أعلمت مسبقا زميلاتها بزيارتها , ودهشت حين رأتنى اوقع للعاهرات كتبى المنشوة فى لغات عدة .

    عندئذ , أتخذت قرارى بأن أتحدث عن الجنس ,لكن لم يكن لدى بعد لا السيناريو ولا الشخصية الرئيسية . كنت قد فكرت بقصة تذهب باتجاه البحث عن الجنس المقدس . لكن هذه الزيارة الى لانفستراس أنارت لى طريقى , ذلك أننا لكى نتمكن من الكلام عن البعد المقدس للجنس , من الضرورى أن نفهم لماذا تم تدنيس الجنس , أو امتهانة الى هذا الحد .

    عند أجرب المجةل السويسرى " L'illustee'e " مقابلة معى , تحدثت عما حصل لى فى لانفستراس , وعن حقل التوقيع المرتجل الذى نظمته العاهرات ! الشى الذى دفع المجلة الى القيام بتحقيق واسع عن هذا الموضوع . وكانت نتيجة هذا التحقيق أن جاءت عدة عاهرات الى حفل توقيع أقيم لى فى جنيف وهن يحملن فى ايديهن الكتب ليحصلن على توقيعى . لفتت احداهن انتباهى بشكل خاص . ذهبت معها بصحبة وكيلتى وصديقتى مونيكا أنتونيس , لتناول فنجان قهوة , فتحول اللقاء الى عشاء , ثم تبعته عدة لقاءات فى الأيام اللأحقة . وعندئذ ولدت حبكة هذه الرواية " أحدى عشرة دقيقة " .

    أوجه شكرآ خاصا الى آنا فوت بلانت , وهى ناشرتى السويسرية التى زودتنى بمعطيات أساسية عن الوضع القانونى للعاهرات فى بلادها . وشكرآ آيضا الى النساء التالية أسماؤهن فى زوريخ ( وهى أسماء مستعارة ) . سونيا التى التقيتها للمرة الأولى فى مانتو ( لعل أحد يهتم يومآ بنشر كتابها ! ) ومارتا وانتينورا وايزابيلا . وفى جنيف , أشكر ايمى ولوتشيا وآندرى وفانيسا وباتريك وتريز وأنا كريستينا ( واسماؤهن أيضا مستعارة ) .

    كما أوجه شكرى الى انتونيللا زارا التى سمحت لى باستخدام بعض المقاطع من كتابها " علم الشغف " لأستعين بها فى يوميات ماريا .

    وأخيرآ اوجه شكرى الى ماريا ( اسم مستعار ) التى لا تزال مقيمة فى لوزان , وهى متزوجة ولديها ابنتان . وقد اخبرتنا , أنا ومونيكا , القصة التى على أساسها بنيت هذه الرواية , قصتها .


    باولو كويلو


صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. رواية الحارس , رواية رواية الحارس , للكاتب روبرت كريس
    بواسطة الروائي العربي في المنتدى الروايات المكتوبة والمترجمة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-12-2012, 05:58 AM
  2. اوقات عصيبة , رواية اوقات عصيبة , للكاتب تشارلز ديكنز
    بواسطة طال انتظارى في المنتدى الروايات المكتوبة والمترجمة
    مشاركات: 127
    آخر مشاركة: 09-12-2012, 12:42 AM
  3. الهارب , رواية الهارب , للكاتب ستيفن كينج
    بواسطة طال انتظارى في المنتدى الروايات المكتوبة والمترجمة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-11-2012, 11:13 PM
  4. الحب في زمن الكوليرا , رواية الحب في زمن الكوليرا , للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز
    بواسطة طال انتظارى في المنتدى الروايات المكتوبة والمترجمة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-11-2012, 08:09 PM
  5. ليالى الحب والرعب , رواية ليالى الحب والرعب , للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز
    بواسطة طال انتظارى في المنتدى الروايات المكتوبة والمترجمة
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-11-2012, 08:00 PM