هلوسات مجنون
قصة قصيرة

حائرٌ لا يدري هل هو يائس ؟ أم يبحث عــــــــــــــــــــــن أمل مفقود نظر إلى
الأفُقِ فرآه داكِـناً ، فتلْـتهمُهُ كآبـَة مريرةٌ ، فيطرِقُ برأسِهِ الْمُثقَلِ بالْهمومِ ، وبعدَ لَحظاتٍ تَطويهِ كالسـِّنينَ الْعِجافِ يدْفنُـهُ الصَّمتُ فيها ، يرفعُ بصرَهُ الْمُدْمَى ، فيرَى الأفقَ مُتوهِّجاً بنورِ الشَّمْسِ الأصفَرِ ، فيَغْتصِبُ ابتسامـةً بَـلْـهاءَ يُوجِّهُها إلى اللا شــــــيءِ .. وحينَ نَـهضَ يَمشِي مُتثاقِلاً اِنقضَّ علـيهِ الْمجهولُ لِـيفْتَرِسَهُ بأنيابٍ مُتساقِـطةٍ ، فصفَعَهُ بقوَّةٍ لَـمْ يعهَدْهـا فِـي نفْسِهِ، ثُـمَّ اِنكَـفأَ علَى ذاتِهِ ، وطَفـِقَ يضحَـكُ .. يضحَكُ مُقَهْقِهاً حَـتَّى دَمعَـتْ عيناهُ .. ثُـمَّ تَشَنَّجَ وَجْهُـهُ فَـجْأَةً ، وارْتَسَمَ عليْـهِ ذُعْـرٌ حَادٌّ مَصْحوبٌ بِأَلَـمٍ مُباغِـتٍ شديـدٍ فَظِيـعٍ انْبَعَـثَ فِي صدْرِه ، وهَوَى خامِداً بعْدَهَا ..

اِقْتـَربَ منـْهُ قِـطٌّ كانَ يُراقِبُهُ وهوَ يلعَقُ شَفَتيْهِ ، وكـادَ أَنْ يلْتَهِمُهُ عشاءً لَهُ ، ولكنْ باغَتـَهُ أحدُهُمْ قادمٌ صُدْفَـةً فطـَردَهُ ، وانْحَـنـَى يَجـِسُّ نَبـْضَهُ ، ويَتَحسَّسُ أنفاسَهُ ، ثُـمَّ هزَّ رأسَهُ أسَفَاً يَنْعاهُ ، وذهبَ تارِكاً إيَّاهُ مَرمِـيَّـاً بيـنَ أكوامِ الْقُمَامَةِ ..

وبعدَ سَاعةٍ رمَشَ جَفْنـَاهُ ، فاستيقظَ مِنْ حلْمِهِ مسْروراً ، وهرعَ إلَى مَهْدِهِ.

تناولَ عُودَهُ ليعْزِفَ أجملَ ألْحانِـهِ ، وانتبَهَ بعدَ إكمالِهِ لِلَّحنِ إلَى أنَّ أوتارَ العُودِ مقطوعَةٌ .. فرمَـاهُ وأسرعَ إلَـى مَرْسَمِه ِ، ليرسمَ لوحَـةً خلاَّبَةً بِفرشـاةٍ ليسَ لَهَـا ريشٌ ...فأمسكَ قَلَمَهُ لِيُدَوِّنَ أحْـلَـى قصائدِهِ علَى الإطلاقِ ، غيرَ أنَّ الكـَلماتِ رفضَتْ أنْ تُفارِقَ مُخيِّلَتَهُ لِتتدفَّقَ مِـنْ شفتيهِ إلَـى قَـلَـمِـهِ .. حينَ ذاكَ عادَ إلَـى أكوامِ الْقُمامَـةِ ، ورقدَ بينَها يائساً ، ينتـَظرُ موتـَهُ الْحقيقيَّ ، فقدْ ضاعَ منْهُ كلُّ شيءٍ حتـَّى أحلامُــــهُ ..