صفحة 3 من 13 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 13 إلى 18 من 78

يا رمال أعيدي الخيال - أيما دارسي - رواية يا رمال أعيدي الخيال


تعالت الضحكة إلى حلقها وعندما طالعها منظرها في المرآة . . . كانت أكمام القميص تبدأ فوق مرفقها تماماً , وتنتهي عند الرسغين . وجدت حزاماً جلدياً لفته حول خصرهــا
  1. #13

    افتراضي رد: يا رمال أعيدي الخيال - أيما دارسي - رواية يا رمال أعيدي الخيال

     

    تعالت الضحكة إلى حلقها وعندما طالعها منظرها في المرآة . . .
    كانت أكمام القميص تبدأ فوق مرفقها تماماً , وتنتهي عند الرسغين .
    وجدت حزاماً جلدياً لفته حول خصرهــا , جعل القميص فستاناً قصيراً
    بعيد كل البعد عن الأناقـــــة .
    ـ جاهزة !
    استند إلى إطـــار الباب , والتسلية مسطورة على وجهه . . عـرفت
    جانيس أنها تبدو سخيفة , لكنها لم تفهم , فاليوم لا يهم كيف تبدو .
    اليوم لا وجود لـ جانيس الطفلة , ومكانها ستحل امرأة
    خالية من الهموم . . . ولو لوقت قصير , على أي حال . وطارت إلى
    الباب الأمامــي تفتحه . . تناديه , وفي صوتها نبرة إثــارة طفولية :
    ـ فلنذهب !
    سارا على الشاطــئ والنورس يسبح في السماء فوقهما , وهـي
    المخلوقات الحية الوحيدة على مد النظر . . كانت الريح تعبث بشعر
    جانيس وتجعله يتطاير إلى الخلف , وهي تركض أمام رفيقها . . لم تعِ
    البتة مدى الإثارة التي تمثلها . . كانت عيناها ثابتتين على صدفة كبيرة ,
    لمحتها عند حافة المـاء .
    صاحت صيحة نصر وحملتها وكأنها تذكــار ثمين :
    ـ إنها صدفة جيدة !
    ثم ابتسمت ابتسامة ترقب سعيدة ووضعتها على أذنها . . ولكم كان
    دوي البحر فيها مميزاً , فتهلل وجهها بالابتهاج , وعقلها يستعيد صدى
    هذا الهدير المألوف . نفضت الرمل عن كـنزها الجديد راضية , ومسحته
    بقميصــها .
    قالت بحبور : (( أترى ! هل هــي جميلة ؟ )) .
    ـ أجل . . جميلة جداً .
    حمل الإعجاب العميق في صوته نبرات جذبت جانيس بحده من
    تأملاتها , فرفعت نظرها إلى عينيه لتجدهما غير مثبتتين على الصدفة التي
    في يدهـا . . للحظة طويلة تشابكت نظرتهما , وتصاعدت نبضات جانيس
    بصوت ارتفع أكثر من هدير البحر . لم يلمسها , مع ذلك أحست
    بلمسته , واقشعرت بشرتها , وأحست بضيق في صدرها يضغط حتى
    أصبح مؤلماً , وأدركت أنها تحبس أنفاسها , فسارعت تزفر , وأجبرت
    نفسها على الارتداد عنه , وسارت بضع خطوات ملؤها التوتر , قالت
    بعدها متوسلة :
    ـ أرجوك . . لا تفعل هذا .
    ـ أفعـــل مــــاذا ؟
    لم يكن قد تحرك . . لكن عينيه السوداوين كانتا ترميان تحدياً يجب
    الــــرد عليه .
    سحبت نفساً عميقاً لتهدئ صوتـــها :
    ـ أخشى أن أضعف .
    ـ لمـــــاذا ؟
    ـ تعرف السبب . . ثم أنا لا أحبـــك !
    ـ أعرف أنــي غريب بالنسبة إليك . . إنما عليك ألا تخافـــي منـي . . .
    ارتجف جسم جانيس . . . واعترفت على مضض :
    ـ أجل . . بالأمــس شعرت أنك شخصية غير حقيقية .
    قـطـــب :
    ـ شخصية غير حقيقة ؟
    ـ ألا ترى ؟ بالأمــس عندما بادلتك عناقك شعرت بأنك خيال كنت
    أحتــــــــاج إليه .
    حدقت عيناه بعينيها لفترة لا نهاية لها . . . أخيراً أدار نظره إلى
    البحر, فأراح بذلك جانيس من توتر المواجهة . . وتمتم :
    ـ خيـــــــــــال .
    وضحك ضحكة صغيرة ســـاخرة .
    ـ أمر غريب ! فكرت أنــي أشياء كثيرة أمـــا خيال فأبداً ! ربـــما تظنين
    أننــي خيال , لأننــي انتشلتك من البحر كمن يصطاد حورية كما أعتقد .
    انطفأت نار المشاعر في عينيه , فتنهدت جانيس راحة وابتسمت :
    ـ لكننـــي لست حورية .
    ـ لا . . بل أنت طفلة صغيرة .
    وخزتها التسمية , وارتجفت ابتسامها . . ثم تذكرت الصدفة في
    يدها . فنظرت إليها وتنهدت .
    ـ ربما هذا ما أحب أن أكونه اليوم . طفلة دون متاعب .
    ـ إذن . . فليكــــن هذا .
    أبهجها التساهل في صوته , فنظرت إليه ممتنة , فضحك ضحكة
    عميقة .
    ـ ربما تكون البراءة نعمة . . . هل نكمل سيرنا ؟ بإمكانك إعطــائي أية
    صدفة تودين الاحتفاظ بهـــا .
    حمل الموج قطعة خشبية رماها البحــر على الشاطئ . التقطتها
    جانيس , وأخذت تـرسم مربعات متقاطعة على الرمــال , وحاولت رمـي
    صدفة إلى أبعد مربع في الزاوية , لكنها انزلقت إلى أبعد من الخط . .
    استعادها الرجل , ووقف مكان جانيس فصوب بدقة ثم رماها فـــي
    منتصف المربع . وابتسمت له :
    ـ لا تقل لي إنك كنت تلعب الحجلة . . وأنت صغير ؟
    ـ كنت ألعبها حين تدفعني أختي الكبرى للعب معها , كانت متسلطة
    رهيــــــبة .
    ضحكت جانيس : (( لا أتصور أن أحد قادر على التسلط عليك )) .
    ابتسم بثقة بالنفس :
    ـ لكننــي انتقمت منها في النهاية .
    ـ غريب كيف تتبدل الأمور . . لم نعد نرى أولاداً يلعبون الحجلة
    الـــيوم .
    ـ لأنهم داخل المنازل يشاهدون التلفزيون . . العالم كله يشـــاهد
    التلفزيون . . إنه أسهل من الحياة ذاتها .
    ـ لكنك تفضل الحيــــــــــــاة .
    ـ أفضل أن أصنع بيدي ما يسعدنـــي . . أجل .
    وهو بارع في صنع السعادة . . لكن جانيس سارعت إلى كتم
    الفكـــرة . . إنها تحب صحبته , فهو رجل سهل المعشر , ولا تريد أن تفكر
    أبعد من هــذا .



  2. #14

    افتراضي رد: يا رمال أعيدي الخيال - أيما دارسي - رواية يا رمال أعيدي الخيال

    ـ فلنتنعم بأشعة الشمس قليلاً .
    لم ينتظر موافقتها , ومدد نفسه على الرمال الساخنة قريباً من
    المــاء . . فجلست إلى جانبه ورفعت ركبتيها تحتضنها , أمــا هو فوضع
    يديه خلف رأسه وأغمض عينيه . ثم سأل :
    ـ ماذا تفعلين للمرح والاسترخــــاء ؟
    ـ ليس لدي وقـت كافٍ . . أحب القراءة .
    ـ قراءة مـــاذا ؟
    ـ كتب الشعر في معظـمها . يمكنك الإمساك بها ثم تركها , ثم
    الإمساك بها بدون أن تفقد خيوط أفكــارها كقصة .
    ـ و هل سافرت ؟
    ـ لا . . ليس بعد . . مع أننــي سأسافر . . وأنت ؟
    ـ كثيراً . . وكثيراً جداً . إلى أماكن عديدة ورأيت الكثير من الناس .

    نظرت إليه بفضول . . لكن جفنيه ظلا مغمضين , ووجهه بقي
    مسترخياً لا يكشف عن شيء .
    ـ ألهذا استقريت هنا ؟
    عندما لم يرد حولت بصرها إلى البحر المترامــي إلى ما لا نهاية . .
    ثم قــــــــال :
    ـ أحب المكان هنا إنه هادئ طبيعي لم يفسده شــــيء .
    وافقت بصوت حــــالم :
    ـ أجل . . وكأننا على جزيرة غير مأهولة . . والمدينة بعيدة كل البعد
    عنــــــــــــا .
    ضحك بصوت منخفـــض :
    ـ مثل آدم وحـواء .
    نظرت إليه نظرة قلق لكن بريق عينيه كان شيطانيــاً !
    ردت بخفة :
    ـ هذا ما قد يدعو إبليس لدخــــول الجنة .
    ـ ابتعد عــني يا إبليس . . هل أنت مؤمنة ؟
    ـ أؤمن بالقيود التـي يفرضها الدين .
    ـ عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به ؟
    ـ أجل . . ومن الخطأ أذية الناس . . قلة الشرف , الكذب ,
    والخــــــــداع .
    عادت صورة ستيفنز بحدة مريرة إلى ذاكرتها . . وجاءها الأمــر
    الحــــــــــــــــاد :
    ـ انسيه ! وأخبريني أين تحبين أن تسافري ؟
    تكلمـا عن بلدان أخرى , عن شعـــوب أخرى , وعن طـــرق أخرى
    للحــياة . . ولأن الحديث الدائر لم يكن شخصياً ابتعدت عن ذاكرتها
    الأفكـار التي كانت تزعجها . . أخيراً تحرك الرجــل , ووقف
    ـ سأذهب لأسبح . . هل تأتين معــي ؟
    هزت رأسها رافضة : (( لا أريــد . . )) .
    ـ من غير المحتمل أن تتشنج ساقاك مرة أخرى . . فالمياه لن تكون
    باردة في حرارة الشمس , ثم إننـــي هنا لأعتنــي بك .
    توقف هنيهة ثم ارتد عنها وتوجه نحو البحر تاركاً إياها لتقرر ما
    تريد . . وراح يخوض عباب الماء حتى وصل إلى أماكن عميقة فغاص
    فيها . . راقبت جانيس رأسه الأسود يرتفع ويهبط . . بدت المياه مغرية .
    والشمس حارة . . إنها تريد أن تسبح , وتشعر ببرودة المياه على بشرتها.
    رفعت نفسها للوقوف ثم ركضت نحو الماء لتسبح . . هناك أحست
    أنها تتنعم بالحياة , وتركت نفسها تغـــوص . . مستمتعة بروعة المياه
    ولكن يداً أمسكت ذراعها ورفعتها إلى الأعلى . . . فتلعثمت وهــــي
    تحتــج :
    ـ أنا بخيـر .
    ـ كنت أتأكد ليس إلا . . . اتركــي رأسك فوق الأمواج , ليطمئن
    بالـــي . . ممكن ؟
    ـ حسناً .
    لم يقترب كثيراً منها . . لكنه ظل على مسافة قصيرة . . وسبحت
    جانيس وطافت واستمتعت , ولكن عندما شعرت ببشرتها تنكمش ,
    اتجهت نحـــــــــو الشاطئ .
    ـ اكتفيت ؟
    ـ أجل . . بدأت أحــس بالبرد .
    أبقت ظهرهــا نحوه . . لهذا لم ترَ الموجة الضخمة التي لحقت بها
    وطرحتــها أرضاً وقلبتها . . ولكن ذراعين قويتين رفعتاها وأمسكتا بها
    ثانية فراحت تسعــل .
    ـ أنت تصبحين أحياناً بلهــاء حقاً , ألم تريـــها قادمة ؟
    أخذت تسعل وتسعــل :
    ـ لا . . لم أكن أتطلـــع .
    قال مازحــاً: (( هل أنت بحاجة إلى [ [ قبلة الحياة ] ] )) ؟
    نظرت إليه مؤنبة , لكنها لم تعد تستطيع انتزاع نظرها عنه . . فقد
    أسرتها قوة جاذبيته , كان ضخماً قوياً مسيطراً . عندما رفعت نظرها
    باندهاش إلى وجهه رأت ابتسامته تموت , وخرج نفس عميق طويل من
    بين شفتيه كصفيــر . . . اليدان اللتان تثبتانها , تحولتا إلى قبضتين
    متملكتـــين .
    تقدم إليها . . كان التلامس الخفيف أشبه بصدمة كهربائية . فانتزعت
    نفسها بعيداً . . ورفعت يديها تدفع صدره لكنه ظـــل يمسك بها فأحست
    أن دفاعاتها التي جاهدت لتبنيها انهارت . . .
    نظرت إلى الوجه الذي يعلوها وكأنها تبحث عن تفسير يبرر هذا
    الشوق الذي يعذبها . إنها لا تعرف شيئاً عن هذا الرجل , مع ذلك ,
    يستطلع تحريك مشاعرها بشكل لم تعهده يوماً .
    كانت عيناه تأمرانها بالخضوع وتشتــعلان بنيران النصر , أو ما يقارب
    النصر , وأحست جانيس أنها غير قادرة على المقاومــة . .
    تكسرت موجة عليهما وهما متعانقان , ففرقتهما عن بعضهما
    بعضاً . . وأخذ الماء المتراجع يسحب قدميها , ويسير ساقيها . .
    تعلقت به وغرقت في بحر المشاعر المتلاطمة واجتاح الدفء
    كيانها فأذاب روحها . . . قوته الآن هي قوتها . . . يجمع بينهما إحساس
    من الأمان . و ظلا لفترة متعانقين , لا يتحركان إلا معاً مع تحرك الموج
    اللطيف .
    ـ ابقــي معــي . .
    تسلل الهمس الأجش إلى عقلها المخدر .
    أضــاف : (( انســـي العالم كله . . وأبقــي هنا . . . )) .
    أرادت جانيس أن يبقيا بعيداً عن الواقع . . لكن , حتى وهي
    تستجيب إلى السحر الذي يشبكها به , عرفت أن هذا يجب أن ينتهــي .
    لقد خطت خطوة واسعة بعيداً عن دافع وجودها . . إن استسلامها
    لهذا الرجل سيكون تصرفــاً غريباً عن طبعها وسيفقدها احترامها
    لذاتها . . . البقاء مع هذا الرجل سيكون محاولة لإطالة حلم . والحلم لا
    يمكن أن يدوم إلى الأبد . . عاجلاً أم أجلاً ستسود الحقيقة والواقع ,
    وسينهــار الحلم .
    ـ يجب أن أعـــــود .
    كانت همسة حزينة , واشتدت ذراعه حولها .
    ـ دعك من كل شـــيء . . . ما نحن فيه حقيقـــي أكثر من أي شـــيء
    ستجدينه هناك .



  3. #15

    افتراضي رد: يا رمال أعيدي الخيال - أيما دارسي - رواية يا رمال أعيدي الخيال

    أسندت رأسها إلى كتفه . . . الإغراء كبير . . . مع ذلك فلديها
    حياتها العملية والوقت الضائع أسوأ عدو لعارضة أزياء , عليها أن
    تعود . . . دارت نظرتها ببطء حول الخليج , حتى استقرت على الكوخ
    الخشبــي . . إنه مكان للراحة , لقد حاول الرجل مداواة جراحهــــا
    العاطفية . . لكن هذه أرض الأحلام . . وقد حان وقت الرحيل .
    ـ شكراُ لك . . لكننـــي لا أستطيع البقاء , لدي التزامات , مقابلة
    أشخاص , وترتيب حياتـــي من جديد . . كنت بغاية اللطف معـي وقد
    تفهمتنــي . . وأنا شاكـــرة لك كثيراً .
    كانت تنسحب , وعرف هذا . . الإحساس بأن كل شــيء بينهما انتهـى

    كان ظاهراً ومؤكداً . . للحظة حسبته لن يقبل قرارهــــا . . فقد أمسك
    وجههـــا بين يديه , وثَبت عينيه في عينيها .
    ـ يجب أن تعودي ؟
    كان تحـدياً لا سؤالاً . . . يفكر بضرورة رحيلها , ويفتح أمامها باب
    الاختيار .
    أحست جانيس بالإغراء . . لكن قوة جاذبيته خلقت الذعر في
    نفسها . . البقاء معه يعنـي أن ترمــي عرض الحائط بكـــل ما نشأت عليه
    وتتخلى عن كل الـخيوط التي تشكل حياتها . . إلى ماذا سيقودهـــا هذا ؟
    وماذا سيحل بها ؟ إنها مقامرة لن تتمكن من المخاطرة بها . . مع ذلك
    فكــرة الرحيل أصبحت فجأة مؤلمة جداً .
    ـ يجب أن أرحل . . . آسفــة .
    ـ لا تأسفــــي . . أنت حرة للذهــاب . . كنت حرة طوال الوقت .
    ـ أجــل . . أعرف . . لكننـــي . . .
    ارتفعت يده تلمــس وجههـــا بأصبعه .
    ـ كانت رفقتك جميلة . . فلا تأسفـــي على شـيء , هل تريدين الرحيل
    الآن ؟
    هزت رأسها إيجاباً . . إنه يسهل الفــراق عليها , كما سهل لها كل
    الأمور من قبل . . لقد قررت الرحيل بسرعــة ومع ذلك لم تستطــع دفع
    ساقيها للحركـة , فهــي تحس أنها دمرت شيئاً ثميناً , شيئاً ذا قيمة قد لا
    تجده مرة أخرى .
    أمسك يدها وجــرها معه ليساعدها .
    ـ لن تمانعي إن لم أرافقك إلى الكوخ ؟
    أصبح الفراق كاملاً . . وسارت جانيس على الرمال . . تتعذب
    بقرارها مع كل خطوة . لقد أتت إلى هذا الشــاطئ لتهرب , ولقد هربت
    لكن هذا الهروب بطريقة ما ذهب بعيداً ليغير حياتها كلها . . عندمـــا
    كانت تسير إلى الكوخ , أحست بأنها ضائعة وبأنها عالقة بين عالمين
    مختلفين , لا تنتمــي لأي منها . . مع ذلك تطالبها تقاليدها وعاداتها
    بالعودة إلى ما كانت تعرفــه . . .
    بدا الكوخ فارغاً دون الرجل . . إنه فعلاً مكان مريح , وبدائـــي . .
    وهو نقيض صارخ لمنزلها الفخم . . أسرعت نحو الفراش ولم تحتج إلا
    لدقيقة حتــى ترتدي ثوبها الحريري . . توقفت عيناها لحظــات حيث
    عانقها بلطف وشغف ثم تركها تنام . . مرة أخرى أحست بألم الفراق
    وترقرقت الدموع في عينيها , فتحركت كالعمياء نحو الباب , تُبعد
    الذكرى عنها . . سحبت نفساً طويلاً مهدئاً , ثم خرجت منطلقة فـي
    الطريــق .
    كان واقفاً قرب السيارة . . . وسرواله الجينز ملصق بعضلات
    ساقيه , ورفع يده نحوها مبتسماً :
    ـ [ [ صدفتك ] ] . . . أعتقد أنك ستحبين الاحتفاظ بها .
    أخذتها منه والغصة تمسك بخناقها :
    ـ شكــــراً لك .
    ـ جانيس . . إذا أردت العودة . .
    ما إن نطق بسمها حتى توقف قلبها عن الخفقـــان . . وأصمت
    الصدمة أذنيها عمــا كان يقول .
    ـ ناديتنــي جانيس ؟
    لم يفكـــر ولكنه عبس ولاح التوتر على وجهه , فصاحــت باحتجاج
    متــألم :
    ـ تعرف من أنـــــــــــــــا !
    ـ وماذا فـي هذا ؟ ماذا يهــم ؟
    لكنه يهم لهـا . . فهــي لم تكن غريبـة له , م تكن مجرد فتاة تعرف
    إليها صدفــة . . لقد عرف أنها جانيس يونغ .
    ـ متى عرفتنـــي ؟
    ـ ليلة أمس ونحن جالسان حول الطاولــة . . وجهك مشهور . .
    وتعرفــين هذا .
    ليلة أمــس . . وأحست بضربة حادة في معدتها . وعادت ذاكرتها
    تراجع تسلسل الأحداث . . لقد عاملها بطريقة متوحشــة بعدما أخرجها
    من البحـر . . . لكن قبل أن تتوجه إلى الفراش مباشرة تغيرت تصرفاته . .
    وأحست بالغثيان . . فكل اللطف والحب كانا لـ جانيس يونغ . . جانيس
    الطفــلة . . .
    سألت بمرارة :
    ـ وماذا أملت أن تكسب من وراء كل هـــذا ؟
    ـ أكسب ؟
    زادت الدهشــة في صوته من خشونة إذلالها .
    ـ آه ! لا تتظاهر أنك لم تتوقع كسب شـــيء ! كانت لعبة عظيمة . .
    أليس كذلك ؟ لقد أعطيتنـي الحبل لأشنق فيه نفســـــي .
    قطب , وحيرته الظاهرة زادت من فقدانها لتعقلها :
    ـ لقد عرفت من أنا . . . لم يكن يهمك أننــي مرهقة , مستنزفة
    عاطفياً , ومع ذلك أردت استغلالي . لا أشك أنك كنت تظن أننــي وسيلة
    كسب لك يجب أن تتمسك بها . . أتراك تريد أن تؤلف قصة حمراء
    وهمية لتبيعهـــا ؟
    اشتدت تقاسيم وجهه , ثم قست خلال هجومهــا الجنونــي . انتظر
    حتى نفذت جعبتها من الكلام ثم تكلم ببرود قاطع :
    ـ جانيس يونغ . . أو جانيس الطفلة , ليست مهمة عندي . . آخر ما
    أريده أو أحتاجه هو امرأة تعيلنـــي . . فأنا قادر على الإنفاق على حياتـــي
    دون أن أبيع قصص فضائح . .
    صمت . . لكن جانيس كانت ساخطة سخطاً جعلها لا تعــي الخطر
    الكامن في عينيه , وخرجت من حلقها ضحكة سخرية خشنة :
    ـ يا إلهــي َ لا شك أننــي بدوت لك هبة من السماء ! لقد قصصت
    عليك مشكلتــي بالتفصيل . . ولكن أنذرك أنك ستجلب على نفسك
    المتاعب إن حملت قصتــي إلى صحيفة فضائح صفراء . . سأنكـر كل
    شــيء . . وإذا جئت خلفـــي سوف . . .
    صفعهــا . .
    نظرت إليه , فاغرة فاها وغطت يدها اللسعة الحــارة على خدها .
    ـ أيتها العمياء . . الحمقــاء !
    أفزعها غضبه أكثر من صفعته , فارتدت إلى الخلف حيث السيارة
    وخافت من العنف القادم . . ولما رأى ذعرهــا التوت شفتاه باشمئزاز من
    خوفها , وطعنتها العينان السوداوان بازدراء . . أشار بيده دون اكتراث
    يصرفها عنه بحدة وكأنها لا تستحق اهتمامه ثم ارتد على عقبيه , وبدأ
    يسير مبتعداً .
    ـ عودي إلى ديارك . . أيتها الفتاة التافهة !
    لم يزعج نفسه بإلقاء نظرة إلى الوراء , لكن السخرية المتوحشة فــي
    كلماته وصلتها بالتأكيد , واستقامت جانيس من دوارهــا المصدوم . .
    واستفاقت في نفسهــا مجموعة مشاعر متشابكــة مريرة .
    صــاحت : (( أنت . . أيها النذل ؟ )) .
    ورمته بالصدفة متألمة محبطة , لكن هدفها ضاع بعجز . . وبقــــي
    سائراً دون تردد . عندئذ أدركــت أن لا جدوى من إهراق المزيد من
    الطاقة على رجـــل يتجاهلــها . دخلت مقعد السائق وأدارت المحــرك
    بغضب بــارز , وأطلقت السيــارة نحــو المنــزل .
    * * *

    نهاية الفصل (( الثالث ))



  4. #16

    افتراضي رد: يا رمال أعيدي الخيال - أيما دارسي - رواية يا رمال أعيدي الخيال

    4- ثـــورة طـــــفلة

    فتاة تافهة . . حقاً ! كم كانت بلهاء عندما سمحت لغريب بمعانقتها !
    اللعنة على هذا الرجل !
    تذكرت بوضوح لاذع قوله (الطراز الرفيع) , واستخدامه المتعمد
    لكلمة طفلة . لقد خدعت بسهولة .. حمقاء ساذجة , أرادت أن تصدق
    أن سرها في أمان . كان يجب أن تعرف ليلة أمس حين توقف عن
    اعتبارها مصدر إزعاج .
    جانيس يونغ ! (( الطفلة )) ! كان يعطي حبه وعطفه للصورة وليس

    للمرأة . الفتنة القديمة قدم الزمان مابين الصبي والفتاة , هذا ما صوره
    لها ستيفنز . . ونجح في هذا . المزيج المزعج لبراءة الصغار وإثارة
    النضوج , هذه الصورة نجحت كثيراً وأنتجت ربحاً وفيراً .
    لا عجب أن الغريب دهش عندما عرف أنها عذراء ! فلا شك أنه كان
    يؤمن أن كل العارضات عابثات . . . وصحيح أن التحرشات عادية في
    مهنتها , ولكنه لا يعرف أن أمها و ستيفنز طالما حمياها من أمثاله من
    الرجال .
    لسعت الدموع عينيها . . لقد أخبرته بقصة حياتها بإسهاب وتركت
    مشاعرها تغدر بها . . صرّت على أسنانها لمنع شهقة بكاء تكاد تبرز عبر
    الضيق في حلقها . . لن تبكيه . . لقد خدعها لسبب ما , لا تعرفه ولا
    تريد أن تعرفه . يجب أن تنساه , غداً تضع الحادثة كلها خلفها وكأنها لم

    تحدث . . يجب أن تتابع حياتها الطبيعية . . ولكن ليحدث هذا يجب أن
    تصل إلى منزلها أولاً .
    أجبرت نفسها على التفكير في ما هو قادم . . عليها أن ترضي أمها ,
    لكنها لا تستطيع تفسير سبب غيابها الطويل . . ثم هناك ستيفنز . . ولكن
    مجرد ذكره في ذهنها , حرّك كل مشاعر الكره تجاهه . . مع أنها تعرف
    أن قطع كل صلة به أمر صعب سيؤثر في مهنتها , ومع ذلك ستقطع هذه
    العلاقة . . . فالكبرياء واحترام الذات يفرضان عليها هذا .
    ركزت على وضع الخطط للمستقبل , وبالتدريج هدّأت القيادة
    أعصابها المتوترة . . وكان الوقت ظلاماً تقريباً حين أوقفت السيارة أخيراً
    تحت مبنى الشقق . . لاحظت نظرتها المتعبة وجود سيارة ستيفنز في
    موقف الضيوف . كانت تحس بالإرهاق العاطفي والجسدي لذا لم
    تستطع أن تتحمل فكرة مواجهته وهاهو الغضب يثور ويثور في
    أعماقها .
    ترجلت من السيارة ثم سارت نحو المصاعد وهي تنظر إلى سيارة
    ستيفنز بقرف . تساءلت كم بقيت متوقفة هنا , وماذا قال لأمها .
    بالتأكيد لم يقل الحقيقة , لأن حتى إيفلين يونغ الحديدية لن تهضم
    الحقيقة . الكثير من الأشياء يمكن أن تُهضم في الطريق إلى النجاح ,
    لكن هناك حدود لما يمكن أن يبتلعه المرء . ولقد تعمدت إيفلين يونغ
    حث ستيفنز على الاهتمام بـ جانيس , لكن حتى هي , يمكن أن ترى أن
    زواجها مستحيل .
    استدعت جانيس المصعد , ودخلته وضغطت بشكل آلي على الزر
    الموصل إلى طابقها . صدمها فجأة أنها تفكر بـ ستيفنز دون ألم , بل بقرف
    وازدراء .. إنها الآن هادئة بشكل عجيب .. وكأن المنظر البشع في شقة
    ستيفنز حدث منذ سنوات طويلة , ولشخص آخر .. توقف المصعد
    بحدة , وانفتحت الأبواب . هزت جانيس نفسها داخلياً وخرجت ولم
    يكد مفتاح شقتها يلمس القفل , حتى انفتح الباب .
    - جانيس!
    ضمت ايفلين يونغ ابنتها :
    - لقد عدت! شكراً لله! كدت أفقد عقلي قلقاً عليك .
    ولكن قطع هذه اللهفة عبوس ستيفنز .
    - انظري إلى هذه الملابس الجميلة! ماذا كنت تفعلين طوال
    الوقت؟
    لم ترد جانيس. كان ستيفنز يتقدم نحوها , ووجدت نفسها تنظر إليه
    بطريقة متباعدة غريبة , إنه ستيفنز نفسه الذي ظنت أنها تحبه ... ستيفنز
    صاحب البشرة الحمراء الذهبية , والشعر الأشقر الأملس والوجه الوسيم
    والجسد الرشيق الأنيق الملبس كما دائماً ... طبعاً! إنه يتعامل مع
    الصور ... متخصص في الصور الزائفة ... تماماً كما كان حبهما
    المزعوم الرومانسي زائفاً .
    - جانيس .
    تراجعت عن يديه الممدودتين , فلوح بهما في إيماءة استرضاء وقال
    بصوت منخفض:
    - ما كان يجب أن تسارعي للخروج بتلك الطريقة .
    كان يكلمها وكأنها طفلة تصرفت دونما تفكير!
    أجفلتها لهجته ووترتها فهي تعرف أنها لهجة يستخدمها وأمها حين
    تكون صعبة المراس . كانت تستسلم لهذه اللهجة غالباً , باعتبارها أكبر
    منها سناً وأكثر حكمة , ولكنها لن تستسلم بعد اليوم ... صرت على
    أسنانها , وارتدت إلى أمها .
    - آسفة أمي .. كان يجب أن أتصل وأبلغك قبل أن أبيت ليلتي
    خارجاً .. لقد تصرفت بشكل أناني , لكنني احتجت إلى الانفراد بنفسي
    لأفكر .
    بدا صوتها بارداً وهادئاً , وواثقاً ... هل غيرتها الساعات الأربع
    والعشرين الأخيرة إلى هذا الحد ؟
    أظهرت إيفلين يونغ دهشتها بسبب نبرة ابنتها المشحونة بالثقة
    والثبات :
    - حسناً .. لا بأس مادمت سالمة , لكن ثيابك عزيزتي ... لقد
    أفسدتها , لن تعود كما كانت ..
    - أهذا كل ما تستطيعين التفكير فيه أمي ؟ ثيابي !
    وخرج منها كل السخط المخزون لسنوات :
    - كل حياتي ثياب , ثياب , ثياب ! لا تلعبي , ستوسخين فستانك ..
    اجلسي مستقيمة , ستتجعد تنورتك .. ما أنا ؟ دمية أم ابنتك ؟ هل فكرت
    يوماً أن هناك إنساناً يعيش داخل تلك الثياب التي تضعينها علي؟ هل
    فكرت في هذا أمي؟ هل تهتمين حقاً بما أشعر به الآن ؟ أم أن الثوب
    الحريري أهم من هذا لديك؟
    عارضت الصدمة الظاهرة على وجه الأم التأنيب في صوتها .
    - جانيس ! أنا قلقة عليك بالتأكيد ... لكن ثيابك تكلف كثيراً ..
    وتعرفين هذا!
    - أجل أعرف ..
    وعرفت كذلك أن لا طائل من الصياح بوجه أمها .. فستبقي
    للمظاهر الأولوية عن إيفلين يونغ .. شعرها الأشقر المائل إلى لون
    الرماد كان مسرحاً على الطراز الفرنسي .. وكان الماكياج الفني يخفي
    التجاعيد الصغيرة التي تظهر على الوجه الجميل ... وللمرة الأولى
    أحست جانيس بالأسى على أمها ... فإيفلين يونغ لن تعرف أبداً بجهة
    التحرر من كل ثوابت المجتمع .
    - حسناً .. لن أرتدي هذا الثوب مجدداً أمي , لذا سجليه على أنه
    خسارة في دفتر حساباتك .
    لقد قررت التخلص من عادة الانصياع إلى ما تمليه عليها أمها ..
    إنها إنسانة لها كل الحقوق , ولم تعد طفلة صغيرة يحدّد لها ما تفعل أو
    ما لا تفعل .
    أدارت وجهاً بارداً إلى ستيفنز الذي تراجع مبتعداً عن النار .
    - لم أتوقع أن أجدك هنا ... وبما أنك هنا , فمن الأفضل استغلال
    الفرصة لنسوي كل شيء الآن .
    حذرتها أمها :
    - جانيس .. لا تتعجلي باتخاذ القرار . لقد كان ستيفنز متكدراً
    بسبب الجدال الذي دار بينكما ليلة أمس ... وأنا واثقة ..
    - جدال .. ستيفنز ؟
    سخرت عيناها الخضراوان من مراوغته , وانتشر الاحمرار من أسفل
    عنقه إلى الأعلى مما جعله يبدو كفتى صغير غُرّ .
    - جانيس .. دعيني أشرح لك ..
    - لا ضرورة للشرح ... علاقتنا انتهت ستيفنز .. و إلى الأبد .
    قست تعابير وجهه وبدا التهديد على ملامحه .
    - أنت بحاجة إليّ جانيس .. فمن دوني ..
    قاطعته بصوت ساخر :
    - سأحتاجك كما أحتاج الجحيم !
    قالت أمها : (( جانيس! هلا أصغيت إلى المنطق بحق الله ... )) .
    ارتدت جانيس إليها :
    - لا! لن أصغي إلى المنطق اللعين لأستمر معه .
    وابتعدت عنها بنفاد صبر .. لقد زُرعت بذور التمرد في نفسها
    على شاطئ بعيد عن هنا , ولكن هذه البذور نمت بسرعة في جو هذه
    الغرفة الخانق .. جلست دون اهتمام على أحد المقاعد الطويلة في
    غرفة الجلوس .. ووقفت بوجهيهما بثقة بالذات .
    ران صمت مرعب استطاعت أمها خلاله استيعاب التحدي والتصميم
    اللذين أظهرتهما جانيس , ونظرت لقلق إلى ستيفنز , ثم ارتدت لابنتها
    تسترضيها .


  5. #17

    افتراضي رد: يا رمال أعيدي الخيال - أيما دارسي - رواية يا رمال أعيدي الخيال

    - جانيس .. عزيزتي .. الواضح أنك مرهقة ..
    - بل على العكس , فكري صافٍ كل الصفاء وأشك أنني رأيت يوماً
    الأشياء أوضح مما أراها الآن .. إذا أحببت أن تجلسي أمي .. فسأخبرك
    ماذا يجول في فكري .
    تلاشت الابتسامة وتنهدت افلين يونغ التي التفتت معتذرة إلى
    ستيفنز وكم كرهت جانيس تلك النظرة , لكنها لم تعترض .. قالت الأم
    وهي تلعب لكسب الوقت :
    - سأعد القهوة .. هل ترغبين في شيء تأكلينه عزيزتي ؟
    - لا .. شكراً , ولا أريد القهوة , أنا متعبة وأفضل أن يخرج ستيفنز
    من هنا .. فوراً .
    تقدم ستيفنز بعدوانية وبدأ يقول :
    - اسمعي الآن , جانيس .
    - أنا أسمع ستيفنز .. لقد رأيت الكثير .. ولا أدين لك بأي شيء!
    - أنا صنعتك!
    - صنعتني كما تريد , فهل من المفترض أن أكون ممتنة لهذا؟ كانت
    الصورة ناجحة . ولقد كسبت منها بقدر ما كسبت أنا .. أما الآن
    فالشراكة فسخت .. يوم الاثنين سأعطي اسمي لأفضل الوكالات في
    المدينة , وسأجرب حظي معهم .
    اعترضت أمها :
    - جانيس هذا غير منطقي .. لقد كان ستيفنز ..
    التفت جانيس إليها وعيناها تبرقان بتحذير ناري .
    - أمي! لقد انتهيت من السماح لكما بدفعي بطريقتك أو بطريقته .
    أنا الآن في الثانية والعشرين الآن .. ولي آرائي الخاصة , وأنا أنوي فعل
    ما أريد .. أشكركما على ما أوصلتماني إليه من نجاح ولكن هذا لم يكن
    لصالحي بقدر ما كان لصالحكما .. أنتما أردتما النجاح أكثر مني .
    نظرت أمها إليها وكأن ابنتها أصبحت غريبة , ثم هزت رأسها
    وتهاوت إلى أقرب مقعد .
    - لا أفهم ماذا حصل لك جانيس .. لماذا تتصرفين هكذا؟ أنا أمك ,
    ولم أفعل يوماً إلا ما هو الأفضل لك .
    قالت جانيس برقة لأن الحقيقة يجب أن تقال :
    - أعرف أنك تعتقدين هذا أمي , المشكلة أن ما تظنينه هو الأفضل
    لي , ليس ما أظنه أنا . لقد حان الوقت لتتوقفي عن العيش من خلالي .
    يجب أنا أحيا حياتي الخاصة .. لم أعد طفلتك الصغيرة أمي .. أنا الآن
    كبيرة .
    للحظة حادة تحول تفكيرها إلى مكان آخر ... رمل وبحر , ورجل
    قاس ... وبدا لها أنها بحاجة إلى جهد مركز لتدفع عنها الذكرى .
    صاح ستيفنز بغضب :
    - كبيرة ! ولكن إدراكك إدراك طفلة ! أنت لا ترين شيئاً بوضوح
    أبداً.. غرورك بلغ الذروة . . . تظنين أنك قادرة على الانطلاق
    وحدك .. صوري أنا هي التي صنعتك .. أتظنين أن أي مصور قادر على
    التقاط التأثيرات ذاتها ؟
    ردت برقة دون أن تهتم بثورته :
    - سنرى هذا .. أليس كذلك؟
    التوى وجهه الوسيم قرفاً :
    - يا لله ! لولا براءتك وغباؤك لعرفت أين هي مصلحتك .. حقاً
    نستطيع الوصول إلى القمة , ولا أعني هنا .. نيويورك .. لندن ...
    باريس ..
    اغرورقت العينان الخضراوان بالاشمئزاز :
    - لا ! أنا لست بريئة إلى هذا الحد ستيفنز . والشكر لك .. وأنا
    أفضل السمن النباتي على الزبدة التي تعرضها عليًّ ... ابحث عن فتاة
    أخرى تشكلها على الصورة التي تريد .. أنا غير حاضرة حتى ولو كان
    ذلك يعني الوصول إلى نيويورك أو لندن أو باريس .
    صاح ساخطاً: (( تقطعين أنفك نــكاية بوجهك ! )) .
    -إنه وجهي .
    جعله عنادها البارد يصرّ على أسنانه غيظاً .
    - ستعودين إلي زاحفة حين تجدين نفسك فاشلة .
    - لا تعتمد على هذا .
    قال بحــدة: (( من السيئ أن تحرقي الجسور قبل أن تقطعيها
    جانيس ... أرى أن المنطق الآن لن يجدي نفعاً ولكن حاولي الطيران
    من دوني قليلاً ... وانظري إلى أين ستصلين )).
    تقدم إلى الباب, ثم ارتدّ إليها مبتسماً ابتسامة مريرة:
    - أسامحك على جحودك نحوي , حين تعترفين أخيراً أنك مخطئة .
    امتنعت جانيس عن الرد , وشعرت بالراحة لأنه رحل .
    قالت افلين يونغ مؤنبة:
    - إنه على صواب جانيس .. أنت لا تدركين أبداً ...
    - ألا أدرك أمي؟ إذن , يجب أن أكتشف هذا بنفسي .
    مدت الأم يديها تسترضي ابنتها .
    - جانيس .. فلنتحدث عما جرى .
    عرفت جانيس اللهجة المراوغة من تجارب قديمة .
    - لا .. قلت كل شي أمي , وعنيت كل كلمة قلتها . سأستحم
    الآن وفيما بعد , إذا أردت الكلام فسنتكلم .. إنما ليس عن ستيفنز ..
    وفيما كانت مستلقية في الحوض الدافئ , تسللت ذكرى مياه
    أخرى إلى تفكيرها , وتركتها تطوف كما تشاء ... من حسن الحظ أنها
    قررت تركه قبل أن تضع نفسها تحت سلطة ذاك الرجل حيث لا مجال
    للتراجع . لقد تعمد خداعها , ومهما كان الدافع لهذا فهناك شيء واحد
    مؤكد: لا يمكنها أن تثق به !
    أخرجت نفسها من الحوض , وجففت نفسها ببطء , وهي تتساءل
    كم سيطول الوقت قبل أن تنسى السحر الذي أحدق بها وهي هناك على
    منزل الشاطئ . ولكنها على الأقل , خرجت من التجربة دون مخاطرة .
    اشتد ضغطها على شفتيها وهي تفكر بـ ستيفنز الذي لن تزحف إليه
    أبداً ... أبداً .. ارتدت روبها المنزلي , وخرجت إلى المطبخ . إنها
    جائعة , ومستعدة للعراك مع أمها إذا لزم الأمر .
    بدأت افلين يونغ تعامل ابنتها وكأنها شخص معاق بحاجة إلى رعاية
    وتساهل وقد أذهل هذا التكتيك جانيس . لكنها لم تقاومه فالزمن وحده
    سيظهر لأمها مدى تصميمها , ولسوف تعتاد أمها على وجود ابنة
    راشدة .. ولكن على طموحات افلين يونغ أن تبتعد عن جانيس وتتوجه
    إلى نفسها إنها امرأة جميلة الطلعة , ومازالت شابة , وعليها القيام
    بشيء ما بناء في حياتها ... لقد استحوذ عليها الجهد الذي تبذله لدفع
    ابنتها إلى الأمام , ولكنها الآن بدأت الخطـوة الأولى على درب
    الاستقلال , لذا لن تؤلمها أكثر بالإسراع بعيداً بهذه السرعة .
    يوم الاثنين , ألغت جانيس كل ترتيبات الزواج , ثم أخذت حقيبة
    الصور إلى أرفع وكالات العارضات في سيدني . ولكن حماسهم خاب
    عندما أعلمتهم أنها لن تعمل مع ستيفنز دراسيل وظلت على إصرارها
    رغم محاولتهم إقناعها , فاسمها مرتبط باسم ستيفنز منذ بداية عملها
    كعارضة .. كانا فريق عمل ! جانيس يونغ و ستيفنز دراسديل ... ولقد
    ساورت الشكوك الوكالات في مسألة تسويق اسمها دون المصور الذي
    أعطاه خاصيته , وارتابوا أكثر حين قالت لهم إنها لا تريد المتابعة
    بالأسلوب الذي ابتدعه لها .
    جلبت الأسابيع التالية إليها الإحباط , فقد تلقت العروض التي
    رافقها دائماً شرط وهو أن يكون ستيفنز وراء الكاميرا , وعندما رفضت
    كل العروض حذروها من أنها تنتحر مهنياً .. وبدأ اليأس يتسلل إلى
    نفسها , ولم تجد تعاطفاً في البيت .
    كانت أمها تهاجمها بحدة , فقد وجدت أن جانيس ليست معاقة
    أبداً :
    - هذا غباء وعناد!
    لكن افلين يونغ ذاتها كانت أكثر عناداً , وصممت أن تعيد ابنتها إلى
    الطريق الذي خطته لها من سن المراهقة , وهي التي سعت لتعمل مع
    ستيفنز .. ورغم معرفتها بأمر خيانته لابنتها فقد كانت على استعداد
    لإقناع جانيس بالعمل معه .. لكن جانيس تجاهلت ثرثرة أمها
    وإصرارها , ويوماً بعد يوم أخذت الوحدة تتسلل إلى نفسها .
    كانت بين الحين والآخر تسترجع ذكريات ذلك اليوم الذي حافظ
    على سحره الخاص . رغم النهاية المريرة التي انتهى بها فهي غير قادرة
    على نسيان الرجل الذي كلما تذكرته عصفت بها مشاعر غريبة عميقة ..
    إنها لم تشعر بالوحدة وهي معه .. ولكنها لن تستطيع العودة فالأمور
    بينهما لن تكون كما كانت .. لا يمكن .. ليس بعد الطريقة التي انتهت
    فيها .. مع ذلك كان نداء البحر والرجل , قوياً بحيث كان قلبها ينفطر
    كلما تذكرت .
    بدا لها أن ليس هناك طريقة لتغيير هذا كله ! وأقنعت نفسها أنها
    تستسلم للحلم .. حتى لو قال الحقيقة , وحتى إن لم يكن لديه دوافع
    من وراء تكتمه على معرفة هويتها , وحتى لو زحفت إليه معتذرة , وأعادا
    إحياء المشاعر التي كانت بينهما .. ولو أن كل هذه الأمنيات تحققت ..
    فلن يكون لها مستقبل حقيقي معه .
    لم يعرض عليها مستقبلاً . قال فقط : ابقي معي .. وماذا يعني هذا؟
    إلى كم من الوقت يمكن أن يعيش المرء بلا هدف ؟ .. يتنقل على
    الشاطىء , يصطاد السمك ويمرح .. ولكن لن يستطيع أحد تجاهل
    وقائع الحياة .. فهي بالتأكيد سترغب في الزواج , وفي إنجاب الأولاد .
    وحتى ذلك الوقت يجب أن نجد عملاً ونكسب عيشها .. لكن , لم
    يكن هنا أي فرح في هذه الوقائع .. ليس كما أحست وهي على
    الشاطئ ..
    لم تتلق أي عرض من وكالات عارضات الأزياء .. لذا بدأ مستقبلها
    المهني يتحول إلى ركود .. وظل ذلك حتى اتصل أحدهم فجلب ذاك
    الاتصال بصيص أمل .. كانت مستعدة للقبول بأي شيء , ولكنه لم يكن
    عرضاً ثابتاً .. فمؤسسة آشتون تطلب مقابلتها فقط , ولكن الطلب أظهر
    اهتماماً بها .. جرى ترتيب موعد بسرعة وأحست جانيس بدغدغات
    الإثارة .
    مؤسسة آشتون هي من أكثر مؤسسات مساحيق التجميل شهرة في
    استراليا .. وكانت أشهر النجمات العالميات يقمن بالدعاية لمنتوجات
    الشركة , وإن كانت هذه المقابلة تعني أنهم يفكرون أن تكون جانيس فتاة
    آشتون التالية , فستكون فرصة العمر لها . إن اختاروها , فلن تفتقد
    للعروض في المستقبل .. وسيكون اسمها قد لمع ليس هنا فقط بل في
    الأسواق العالمية .
    عندما جاء ستيفنز دراسديل يزورها , تبين لها أن أمها هي التي
    دعته .. فواجهتهما معاً وصدتهما مع أنهما حاولا جهدهما إقناعها
    للإذعان للمنطق .


  6. #18

    افتراضي رد: يا رمال أعيدي الخيال - أيما دارسي - رواية يا رمال أعيدي الخيال

    قال ستيفنز بقوة لا ترحم :
    - كوني عاقلة جانيس .. الدعاية هي كل شيء في هذه اللعبة ...
    وإن لم يظهر وجهك باستمرار .. فستخسرين مهنتك .. ضعي جانباً
    العامل الشخصي , واشتغلي معي على أساس المهنة فقط , أنت تخسرين
    أكثر مما أخسر أنا فعملي مطلوب دوماً .
    دعمته الأم طوعاً :
    - هذا صحيح عزيزتي .. كفـــاك عناداً ...
    ردت جانيس بالسلاح الوحيد في حوزتها:
    - هل هذا صحيح ؟ ... حسناً .. قد يثير اهتمامكما أن تعرفا أن لدي
    مقابلة مع مؤسسة آشتون غداً , واستطيع أن أزيد أن هذا يعد بمستقبل لا
    يمكن لك أبداً أن تعدني به .
    رد ساخراً: (( المقابلة لا تعني عقد عمل)) .
    لكن تأكده من أنها تحتاج إليه , أصبع مضعضعاً . ضغطت جانيس
    لمصلحتها .
    - لكنك لا تعرف هذا .. صحيح ستيفنز؟ سأحظى بفرصتي
    معهم .. شكراً لك .
    نظر إليها بحقد وهو يقف :
    - لن أعود مرة أخرى جانيس .
    ردت ببرود: (( لم نسألك المجيء )) .
    أوصلته افلين يونغ إلى الباب , ووقفا هناك يتمتمان معاً بسخط
    مشترك .. وما أن رحل , حتى ارتدت أمها إليها تهاجمها:
    - لماذا لم تخبريني؟
    - ولماذا لم تستشيريني قبل أن تدعي ستيفنز؟
    ردت بحدة: (( كان على أحـد أن يأخذ المبادرة لجمعكما )) .
    - لا أريد منك أن توجهيني أو تتدخلي بشؤوني , أمي !
    - أنت ترمين كل شيء في ( البالوعة ) بعنادك الغبي .
    - لا أهتم لو حدث هذا .. لن أعود إلى ستيفنز .
    لكنها كانت تهتم .. ولقد أرادت يائسة فرصة لتثبت قدرتها على
    شق طريقها بمفردها , فهي على أي حال , لا تعرف عملاً غير هذا ..
    والمستقبل يبدو لها غامضاً .
    الإحساس باليأس ذاته , جرّ قدميها وهي تصعد الأدراج العريضة
    نجو مبنى مؤسسة آشتون في الصباح التالي . . يجب أن يعجبوا بها . . .
    ارتفعت عيناها إلى الاسم المذهب على البابين الزجاجيين الكبيرين . .
    إذا قررت هذه المؤسسة المشهورة المحترمة استخدامها , فالـخوف الذي
    بدأ يعشعش في قلبها قد يزول . دفعت أحد البابين تفتحه ودخلت بهواً
    رخامياً بارداً , سقفه مرتفع مقوس وفي البهو بركة فخمة ونافورة , وهي
    صورة عن منتجات آشتون المعروفة بفخامتها وارتفاع ثمنها .
    نظرت جانيس بقلق إلى ساعتها . . أمامها عشر دقائق حتى موعد
    المقابلة .. ألقت نظرة على نفسها من خلال المرايا الموجودة على
    الحائط خلف النافورة . . فوجدت أن لون بذلتها الخضراء قد زاد من
    إبراز لون عينيها . . . وردت على نظرتها جانيس يونغ التي تعرف
    صورتها تماماً , والتي هي على أتم الاستعداد لهذه المقابلة .
    كانت راضية عن مظهرها , لذا اتجهت جانيس بثقة إلى المصاعد .
    وضغطت الزر الموصل إلى طابق العلاقات العامة . كان يرأس هذا القسم
    مايكل ويذرس , وهو الرجل الذي ستقابله . . سحبت بضع أنفاس عميقة
    لتهدئ أعصابها المتوترة , وما إن انفتح الباب حتى رسمت على وجهها
    ابتسامة وللمرة الأولى أسعدها أن ترى وميض الحسد في عينيّ موظفة
    الاستقبال لأن ذلك رفع من معنوياتها .
    حياها مايكل ويذرس بتحفظ هي غير معتادة عليه .. كان شاباً
    طويلاً , نحيلاً , أنيق المظهر كحال جميع المدراء التنفيذيين . . لم يكـن
    وسيماً , ولكنه لم يكن غير جذاب . في ابتسامته شيء من السحر, وقد
    برقت عيناه بالإعجاب سريعاً, إنه رجل يجعل النساء والرجال يشعرون
    بالراحة عندما يكونون معه .
    قال بأدب وهو يجلسها في مقعدها :
    - آنسة يونغ . . كنت أتوق لمقابلتك شخصياً .
    عاد إلى ما وراء منضدته وأبتسم لها مجدداً .
    - أحياناً , تكذب الكاميرا . . لكن هذا غير صحيح معك بالتأكيد . .
    تمتمت جانيس ممتنة للإطراء :
    - شكراً لك .



صفحة 3 من 13 الأولىالأولى 12345 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. كتب ممنوعة 2013
    بواسطة جـٍـٍـٍـٍـلمود • في المنتدى قصص - قصص واقعية - قصص طويله
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 05-03-2011, 04:55 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع